كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 9)

وفي سنن أبي داود -أيضًا- عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب".
وإنما كان الاستغفار له تأثير في دفع الهم والضيق لأنه قد اتفق أهل الملل وعقلاء كل أمة أن المعاصي والفساد يوجبان الهم والغم والحزن وضيق الصدر وأمراض القلب، وإذا كان هذا تأثير الذنوب والآثام في القلوب فلا دواء لها إلا التوبة والاستغفار.
وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من كثرت همومه فليكثر من قول: لا حول
__________
"وفي سنن أبي داود أيضًا" والنسائي وابن ماجه والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، "عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لزم الاستغفار" أي داوم عليه، وفي رواية أحمد والحاكم: من أكثر من الاستغفار "جعل الله له من كل هم فرجًا" "بفتح الفاء والراء والجيم"، أي كشفًا وخلوصًا منه، "ومن كل ضيق مخرجًا" من ذلك الضيق، "ورزقه من حيث لا يحتسب" يخطر بباله، مقتبس من قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2، 3] ، لأن من داوم الاستغفار وقام بحقه، كان متيقنًا وناظرًا إلى قوله تقدس: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح: 10، 11] .
قال الحكيم الترمذي: أشار بالإكثار إلى أن الآدمي لا يخلو من ذنب أو عيب ساعة، والعذاب عذابان: أدنى وأكبر، فالأدنى عذاب الذنوب، فإذا كان الإنسان متيقظًا على نفسه، فكلما أذنب أو عاب تبعهما استغفارًا، لم يبق في وبالهما وعذابهما، وإذا لها عن الاستغفار تراكمت ذنوبه، فجاءت الهموم والضيق والعسر والعناء والتعب، فهذا عذابه الأدنى، وفي الآخرة عذاب النار؛ وإذا استغفر تنصل من الهم، فصار له من الهموم فرج، ومن الضيق مخرج، ورزقه من حيث لا يحتسب، "وإنما كان الاستغفار له تأثير في دفع الهم والضيق؛ لأنه قد اتفق أهل الملل وعقلاء كل أمة" على "أن المعاصي والفساد يوجبان الهم والغم والحزن وضيق الصدر وأمراض القلب" نحو: الغل والحسد والكبر واحتقار الناس، "وإذا كان هذا تأثير الذنوب والآثام في القلوب، فلا دواء لها إلا التوبة والاستغفار" لا ينجع فيها غيرهما.
"وعن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من كثرت همومه فليكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله" ولا حد للإكثار، وحد بعضهم أقله بثلاثمائة.
"وثبت في الصحيحين: أنها كنز من كنوز الجنة" ففيهما كالسنن الأربع عن

الصفحة 422