كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 9)

[ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من داء الفقر} :
عن ابن عمر: أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن الدنيا أدبرت عني وتولت قال له: "فأين أنت من صلاة الملائكة وتسبيح الخلائق وبه يزرقون، قل عند طلوع الفجر: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، استغفر الله مائة مرة تأتيك الدنيا
__________
ذكر طبه صلى الله عليه وسلم من داء الفقر:
أي مداواته قولًا أو فعلًا، بأن يفعل ما هو سبب للشفاء أو يأمر به، ومثله يقال في نظائره، والإضافة في داء الفقر بيانية، "عن ابن عمر أن رجلًا قال: يا رسول الله إن الدنيا أدبرت عني" بعد الغنى، ويحتمل أنه فقير من أول أمره، والأول أولى لاحتياج الثاني لتأويل أدبرت، بمعنى: لم تأتني، وبعده لا يخفى، لا سيما مع قوله: "وتولت" إذ حقيقة الإدبار والتولي إنما يكون بعد المجيء.
وفي رواية المستغفري: قلت ذات يدي، "قال له: "فأين أنت من صلاة الملائكة وتسبيح الخلائق، وبه" أي التسبيح "يرزقون" "استفهام" أي كيف يغيب عنك علم ذلك، والقصد من الاستفهام حثه على قول ذلك ليأتيه الغنى، وعبر من الملائكة بالصلاة التي أريد بها مطلق الثناء، لجزمهم باتصافه تعالى بجميع صفات الكمال، وليس أحد منهم يصفه بخلاف ذلك، مع اعترافهم بأنهم ما عبدوه حق عبادته، وفي الخلائق بالتسبيح؛ لأنهم من حيث هم بقطع النظر عن المؤمنين ينسبون إليه ما لا يليق به، كالشريك، فناسب التعبير بالتسبيح الذي هو التنزيه عما لا يليق، "قل عند طلوع الفجر" وفي رواية المستغفري ما بين الفجر إلى أن تصلي الصبح، وهي مفسرة للعندية، فالحديث واحد: "سبحان الله" أي تنزيهه عما لا يليق به من كل نقص، فيلزم نفي الشريك والصاحبة والولد وجميع الرذائل، "وبحمده" "الواو للحال" أي أسبحه ملتبسًا بحمدي له، أو عاطفة، أي أسبحه وأثني عليه بحمده، أو الحمد مضاف للفاعل، والمراد لازمه، أي ما يوجبه من التوفيق، وعلى العطف، فهي جملة أخرى، والتسبيح إشارة إلى صفات الجلال، والتحميد إشارة إلى صفات الإكرام، وقدم التسبيح؛ لأنه من التخلي بمعجمة على التوحيد؛ لأنه من التحلي "بمهملة" "سبحان الله العظيم" كرر هذه تأكيدًا، ولأن الاعتناء بشأن التنزيه أكثر من جهة كثرة المخالفين، ولهذا جاء في القرآن بعبارات مختلفة نحو: سبحان وسبح بلفظ الأمر، وسبح بلفظ الماضي، ويسبح بلفظ المضارع، ولأن التنزيهات تدرك بالعقول بخلاف الكمالات، فإنها تقصر عن إدراك حقائقها.
قال بعض المحققين: حقائق الإلهية لا تعرف إلا بطريق السنة، كما في العالم؛ لا يدرك منه إلا أنه ليس بجاهل، فأما علمه، فلا سبيل إليه، قاله الحافظ "استغفر الله".

الصفحة 427