كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 9)

الحناء، وكأن رءوس نخلها رءوس الشياطين"، فقلت يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: "قد عافاني الله، فكرهت أن أثور على الناس فيه شرًّا"، فأمر بها فدفنت.
وفي رواية للبخاري أيضًا: فأتى البئر حتى استخرجه فقال: "هذه البئر التي رأيتها"، قالت عائشة: أفلا تنشرت؟ قال: "أما الله شفاني، وأكره أن أثير على الناس
__________
كالذي ينقع فيه الحناء، أي أنه تغير لرداءته، أو لما خالطه مما ألقي فيه، "وكأن رءوس نخلها رءوس الشياطين" في التناهي في كراهتها وقبح منظرها.
ويحتمل أن يريد رءوس الحيات، فالعرب تسمي بعض الحيات شيطانًا، وهي حية قبيحة المنظر هائلة جدًّا، "فقلت: يا رسول الله، أفلا استخرجته، قال: "قد عافني الله" منه، "فكرهت أن أثور" "بضم الهمزة وفتح المثلثة وكسر الواو مشددة" "على الناس فيه".
وللكشميهني: منه "شرًّا" من تذكر المنافقين السحر وتعلمه ونحو ذلك، فيؤذي المسلمين وهو من باب ترك المصلحة خوف المفسدة. "فأمر بها" أي بالبئر "فدفنت" "بالبناء للمجهول"؛ "في رواية للبخاري أيضًا: فأتى" صلى الله عليه وسلم "البئر حتى استخرجه" فهذه معارضة للتي قبلها، ولرواية: أفلا أخرجته، قال: "لا"، قال المهلب: اختلف الرواة على هشام في إخراج السحر المذكور، فأثبته سفيان بن عيينة، وجعل سؤال عائشة عن النشرة، ونفاه عيسى بن يونس، وجعل سؤالها عن الاستخراج، ولم يذكر الجواب، وصرح به أبو أسامة ولفظه، فقلت: يا رسول الله أفاخرجته؟، قال: "لا"، والنظر يقتضي ترجيح رواية سفيان لتقدمه في الضبط، ويؤيده: أن النشرة لم تقع في رواية أبي أسامة وزيادة سفيان مقبولة؛ لأنه أثبتهم، ولا سيما أنه كرر استخراج السحر في روايته مرتين، يعني بالمرة الأولى في قوله: قال: فاستخرج، فبعد من الوهم، وزاد ذكر النشرة، وجعل جوابه صلى الله عليه وسلم عنها بدلًا عن الاستخراج، وقد يجمع بأن الاستخراج المنفي في رواية أبي أسامة غير الاستخراج المثبت في رواية سفيان؛ فالمثبت هو استخراج الجف من البئر، والمنفي استخراج ما حواه، قال: وكأن السر في ذلك أن لا يراه الناس فيتعلموا السحر. انتهى من فتح الباري.
"فقال" صلى الله عليه وسلم لعائشة: "هذه البئر التي رأيتها" "براء فهمزة مفتوحتين"، وفي رواية: "أريتها" "بضم الهمزة وكسر الراء" وحذف المصنف من هذه الرواية؛ فكأن ماءها نقاعة الحناء، وكأن نخلها رءوس الشياطين، قال: فاستخرج، وهو مبني للمجهول، وفاعل قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في المصنف، "قالت عائشة: أفلا تنشرت" أي فعلت النشرة وهي الرقية التي يعالج بها المريض، "قال: "أما الله شفاني" عبارة المصنف في شرحه: أما والله "بتخفيف الميم"، والله جربوا والقسم ولابن عساكر وأبوي ذر والوقت: أما والله، بالتشديد فقد شفاني. انتهى.

الصفحة 444