كتاب تفسير القرطبي (اسم الجزء: 9)
نُصِبَتْ، وَشَرْحُ هَذَا- فِيمَا قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى،- إِنَّكَ إِذَا قُلْتَ: مَا زَيْدٌ بِمُنْطَلِقٍ، فَمَوْضِعُ الْبَاءِ مَوْضِعُ نَصْبٍ، وَهَكَذَا سَائِرُ حُرُوفِ الْخَفْضِ، فَلَمَّا حُذِفَتِ الْبَاءُ نُصِبَتْ لِتَدُلَّ عَلَى مَحَلِّهَا، قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ الْفَرَّاءِ، قَالَ: وَلَمْ تعمل" فَلَمَّا" شَيْئًا، فَأَلْزَمَهُمُ الْبَصْرِيُّونَ أَنْ يَقُولُوا: زَيْدٌ الْقَمَرُ، لِأَنَّ الْمَعْنَى كَالْقَمَرِ! فَرَدَّ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بِأَنْ قَالَ: الْبَاءُ أَدْخَلُ فِي حُرُوفِ الْخَفْضِ مِنَ الْكَافِ، لِأَنَّ الْكَافَ تَكُونُ اسْمًا. قَالَ النَّحَّاسُ: لَا يَصِحُّ إِلَّا قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ، وَهَذَا الْقَوْلُ يَتَنَاقَضُ، لِأَنَّ الْفَرَّاءَ أَجَازَ «1» نَصًّا مَا بِمُنْطَلِقٍ زَيْدٌ، وَأَنْشَدَ:
أَمَّا وَاللَّهِ أَنْ لَوْ كُنْتُ حُرًّا ... وَمَا بِالْحُرِّ أَنْتَ وَلَا الْعَتِيقِ
وَمَنَعَ «2» نَصًّا النَّصْبَ، وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ اخْتِلَافًا أَنَّهُ جَائِزٌ: مَا فِيكَ بِرَاغِبٍ زَيْدٌ، وَمَا إِلَيْكَ بِقَاصِدٍ عَمْرٌو، ثُمَّ يَحْذِفُونَ الْبَاءَ وَيَرْفَعُونَ. وَحَكَى الْبَصْرِيُّونَ وَالْكُوفِيُّونَ مَا زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ بِالرَّفْعِ، وَحَكَى الْبَصْرِيُّونَ أَنَّهَا لُغَةُ تَمِيمٍ، وَأَنْشَدُوا:
أَتَيْمًا تَجْعَلُونَ إِلَيَّ نِدًّا ... وَمَا تَيْمٌ لِذِي حَسَبٍ نَدِيدٌ
النِّدُّ وَالنَّدِيدُ وَالنَّدِيدَةُ الْمِثْلُ وَالنَّظِيرُ. وَحَكَى الْكِسَائِيُّ أَنَّهَا لُغَةُ تِهَامَةَ وَنَجْدٍ. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ الرَّفْعَ أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَهَذَا غَلَطٌ، كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلُغَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْوَى وَأَوْلَى. قُلْتُ: وَفِي مُصْحَفِ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا" مَا هَذَا بِبَشَرٍ" ذَكَرَهُ الْغَزْنَوِيُّ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ أَبُو نَصْرٍ: وَذَكَرَتِ النِّسْوَةُ أَنَّ [صُورَةَ] يُوسُفَ أَحْسَنُ، مِنْ صُورَةِ «3» الْبَشَرِ، بَلْ هُوَ فِي صُورَةِ مَلَكٍ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ «4» " [التين: 4] وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ أَنَّ قَوْلَهُنَّ:" حاشَ لِلَّهِ" تَبْرِئَةٌ لِيُوسُفَ عَمَّا رَمَتْهُ بِهِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ مِنَ الْمُرَاوَدَةِ، أَيْ بَعُدَ يُوسُفُ عَنْ هَذَا، وَقَوْلُهُنَّ:" لِلَّهِ" أَيْ لِخَوْفِهِ، أَيْ بَرَاءَةٌ لِلَّهِ مِنْ هَذَا، أَيْ قَدْ نَجَا يُوسُفُ مِنْ ذلك، فليس هذا من الصورة في شي، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ فِي التَّبْرِئَةِ عَنِ الْمَعَاصِي كَالْمَلَائِكَةِ، فَعَلَى هَذَا لَا تَنَاقُضَ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ تَنْزِيهُهُ عَنْ مُشَابَهَةِ الْبَشَرِ فِي الصُّورَةِ، لِفَرْطِ جَمَالِهِ. وَقَوْلُهُ:" لِلَّهِ" تَأْكِيدٌ لِهَذَا الْمَعْنَى، فَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَالَتِ النِّسْوَةُ ذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُنَّ أَنَّ صورة الملك أحسن، وما بلغهن قوله
__________
(1). في ع: أجاز أيضا.
(2). في ع: أجاز أيضا.
(3). في ع: إن يوسف أحسن صورة من البشر.
(4). راجع ج 20 ص 113.
الصفحة 182