كتاب الكامل في التاريخ - العلمية (اسم الجزء: 9)

@ 208 @
الجمالي وهو صاحب الأمر والحكم بمصر
وكان ركب إلى خزانة السلام ليفرقه على الأجناد على جاري العادة في الأعياد فسار معه عالم كثير من الرجالة والخيالة فتأذى بالغبار فأمر بالبعد عنه وسار منفردا معه رجلان فصادقه رجلان بسوق الصياقلة فضرباه بالسكاكين فجرحاه وجاء الثالث من ورائه فضربه بسكين في خاصرته فسقط عن دابته ورجع أصحابه فقتلوا الثلاثة وحملوه إلى دار الأفضل فدخل عليه الخليفة وتوجع له وسأله عن الأموال فقال أما الظاهر منها فأبو الحسن بن أسامة الكاتب يعرفه وكان من أهل حلب وتولى أبوه قضاء القاهرة وأما الباطن فابن البطائحي يعرفه
فقالا صدق
فلما توفي الأفضل ثقل من أمواله ما لا يعلمه إلا الله تعالى وبقي الخليفة داره نحو أربعين يوما والكتاب بين يديه والدواب تحمل وتنقل ليلا ونهارا ووجد له من الأعلاق النفيسة والأشياء الغريبة القليلة الوجود ما لا يوجد مثله لغيره واعتقل أولاده وكان عمره سبعا وخمسين سنة وكانت ولايته بعد أبيه ثمانية وعشرين سنة منها آخر أيام المستنصر وجميع أيام المستعلي إلى هذه السنة من أيام الآمر
وكان الإسماعيلية يكرهونه لأسباب منها تضييعه على إمامهم وتركه ما يجب عندهم سلوكه معهم ومنها ترك معارضة أهل السنة في اعتقادهم والنهي عن معارضتهم وإذنه للناس في إظهار معتقداتهم والمناظرة عليها فكثر الغرباء ببلاد مصر وكان حسن السيرة عادلا
حكي أنه لما قتل وظهر الظالم بعده اجتمع جماعة واستغاثوا إلى الخليفة وكان من جملة قولهم إنهم لعنوا الأفضل فسألهم عن سبب لعنهم إياه فقالوا إنه عدل وأحسن السيرة ففارقنا بلادنا وأوطاننا وقصدنا بلده لعدله فقد أصابنا بعده هذا الظلم فهو كان سبب ظلمنا فأحسن الخليفة إليهم وأمر بالإحسان إلى الناس
ومنها أن صاحبه الآمر بأحكام الله صاحب مصر وضع عليه
وسبب ذلك ما ذكرناه قبل ففسد الأمر بينهما فأراد الآمر أن يضع عليه من يقتله إذا دخل عليه قصره للسلام أو في أيام الأعياد فمنعه من ذلك ابن عمه أبو الميمون عبد المجيد وهو الذي ولي الأمر بعده بمصر وقال له في هذا الفعل شناعة وسوء سمعة لأنه قد خدم دولتنا هو وأبوه خمسين سنة لم يعلم الناس منهم إلا النصح لنا والمحبة لدولتنا وقد سار ذلك في أقطار البلاد فلا يجوز أن يظهر منا هذه المكافأة ومع هذا فلا بد وأن نقيم غيره مكانه ونعتمد عليه في منصبه متمكن مثله أو ما يقاربه فيخاف أن نفعل فعلنا بهذا فيحذر من الدخول إلينا خوفا على

الصفحة 208