@ 239 @
ونادوا الغزاة فأقبلوا من كل ناحية ولما رآهم الخليفة خرج من السرداق والشمسة على رأسه والوزير بين يديه وأمر بضرب الكوسات والبوقات ونادى بأعلى صوته يا لهاشم وأمر بتقديم السفن ونصب الجسر وعبر الناس دفعة واحدة وكان له في الدار ألف رجل مختفين في السراديب فظهروا وعسكر السلطان مشتغلون بالنهب فأسر منهم جماعة من الأمراء ونهب العامة دار وزير السلطان ودور جماعة من الأمراء ودار عزيز الدين المستوفي ودار الحكيم أوحد الزمان الطبيب وقتل منهم خلق كثير في الدروب ثم عبر الخليفة إلى الجانب الشرقي ومعه ثلاثون ألف مقاتل من أهل بغداد والسواد وأمر بحفر الخنادق فحفرت بالليل وحفظوا بغداد من عسكر السلطان ووقع الغلاء عند العسكر واشتد الأمر عليهم أبواب البلد وعلى شاطئ دجلة وعزم عسكر الخليفة على أن يكسبوا عسكر السلطان فغدر بهم الأمير أبو الهيجاء الكردي صاحب إربل وخرج كأنه يريد القتال فالتحق هو وعسكره بالسلطان وكان السلطان قد أرسل إلى عماد الدين بواسط يأمره أن يحضر هو بنفسه ومعه المقاتلة في السفن وعلى الدواب في البر فجمع كل سفينة في البصرة وإلى بغداد وشحنها بالرجال المقاتلة وأكثر من السلاح وأصعد فلما قارب بغداد أمر كل من معه في السفن وفي البر بلبس السلاح وإظهار ما عندهم من الجلد والنهضة فسارت السفن في الماء والعسكر في البر على شاطئ دجلة قد انتشروا وملؤوا الأرض برا وبحرا فرأى الناس منظرا عجيبا كبر في أعينهم وملأ صدورهم
وركب السلطان والعسكر إلى لقائهم فنظروا إلى ما لم يروا مثله وعظم عماد الدين في أعينهم وعزم على قتال بغداد حينئذ والجد في ذلك في البر والماء فلما رأى الإمام المسترشد بالله الأمر على هذه الصورة وخروج الأمير أبي الهيجاء من عنده أجاب إلى الصلح وترددت الرسل بينهما فاصطلحا واعتذر السلطان مما جرى وكان حليما يسمع سبه بأذنه فلا يعاقب عليه وعفا عن أهل بغداد جميعهم
وكان أعداء الخليفة يشيرون على السلطان بإحراق بغداد فلم يفعل وقال لا تساوي الدنيا فعل مثل هذا
وأقام ببغداد إلى رابع شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين
وحمل الخليفة من المال إليه كل ما استقرت القاعدة عليه وأهدى له سلاحا وخيلا وغير ذلك فمرض السلطان ببغداد فأشار عليه الأطباء بمفارقتها فرحل إلى همذان فلما وصلها عوفي