كتاب الكامل في التاريخ - العلمية (اسم الجزء: 9)

@ 279 @
بوري بن طغدكين صاحب دمشق وسبب قتله أنه ركب طريقا من الظلم ومصادرات العمال وغيرهم في أعمال البلد وبالغ في العقوبات لاستخراج الأموال وظهر منه بخل زائد ودناءة نفس بحيث أنه لا يأنف من أخذ الشيء الحقير بالعدوان إلى غير ذلك من الأخلاق الدنيئة وكرهه أهله وأصحابه ورعيته ثم إنه ظهر عنه أنه كاتب عماد الدين زنكي أنه يسلم إليه دمشق ويحثه على سرعة الوصول وأخلى المدينة من الذخائر والأموال ونقل الجميع إلى صوبه وتابع الرسل إلى زنكي يحثه على الوصول إليه ويقول له إن أهملت المجيء سلمت البلد إلى الفرنج فسار زنكي فظهر الخبر بذلك فامتعض أصحاب أبيه وجده وأقلقهم وذكروا الحال لوالدته فساءها وأشفقت منه ووعدتهم بالراحة من هذا الأمر
ثم إنها ارتقبت الفرصة في الخلوة من غلمانه فلما رأته على ذلك أمرت غلمانها بقتله فقتل وأمرت بإلقائه على موضع في الدار ليشاهده غلمانه وأصحابه فلما رأوه قتيلا سروا لمصرعه وبالراحة من شره وكان مولده سابع جمادى الآخرة سنة ست وخمسمائة وقيل كان سبب قتله أن والده كان له صاحب اسمه يوسف بن فيروز وكان متمكنا منه ما ماكنا في دولته في دولة شمس الملوك بعده فاتهم بأم شمس الملوك ووصل الخبر إليه بذلك فهم بقتل يوسف فهرب منه إلى تدمر وتحصن بها وأظهر الطاعة لشمس الملوك فأراد قتل أمه فبلغها الخبر فقتله خوفا منه والله أعلم
ولما قتل ملك بعده أخوه شهاب الدين محمود بن تاج الملوك وحلف له الناس واستقر له الملك بعده والله أعلم
$ ذكر حصر أتابك زنكي دمشق $
في هذه السنة حصر أتابك زنكي دمشق ونازلها أول جمادى الأولى
وسببه ما ذكرنا من إرسال شمس الملوك صاحبها إليه واستدعائه ليسلمها إليه فلما وصلت كتبه ورسله سار إليها فقتل شمس الملوك قبل وصوله ولما عبر الفرات أرسل إليه رسلا في تقرير قواعد التسليم فرأوا الأمر قد فات إلا أنهم أكرموا وأحسن إليهم وأعيدوا بأجمل هيئة وعرفوا زنكي بقتل شمس الملوك وأن القواعد عندهم مستقرة لشهاب الدين والكلمة متفقة على طاعته فلم يحفل زنكي بهذا الجواب وسار إلى دمشق فنازلها وأجفل أهل السواد إليها واجتمعوا فيها على محاربته ونزل أولا شماليها ثم انتقل إلى ميدان الحصى وزحف وقاتل فرأى قوة ظاهرة وشجاعة عظيمة واتفاقا تاما على

الصفحة 279