@ 292 @
واسط ومعه سفن كثيرة فعاد إليها وعبر فيها إلى غربي دجلة وأراد العسكر البغدادي منعه فسبقهم إلى العبور واختلفت كلمتهم فعاد الملك داود إلى بلده في ذي القعدة وتفرق الأمراء وكان عماد الدين زنكي بالجانب الغربي فعبر إليه الخليفة الراشد بالله وسار معه إلى الموصل في نفر يسير من أصحابه فلما سمع السلطان مسعود بمفارقة الخليفة وزنكي بغداد سار إليها واستقر بها ومنع أصحابه من الأذى والنهب
وكان وصوله منتصف ذي القعدة فسكن الناس واطمأنوا بعد الخوف الشديد وأمر فجمع القضاة والشهود والفقهاء وعرضوا عليهم اليمين التي حلف بها الراشد بالله لمسعود وفيها بخط يده إني متى جندت أو خرجت أو لقيت أحدا من أصحاب السلطان بالسيف فقد خلعت نفسي من الأمر فأفتوا بخروجه من الخلافة وقيل غير ذلك وسنذكره في خلافة المقتفى لأمر الله وكان الوزير شرف الدين علي بن طراد وصاحب المخزن كمال الدين بن البقشلاني وابن الأنباري مع السلطان لأنهم عنده مذ أسرهم مع المسترشد بالله فقدحوا في الراشد ووافقهم على ذلك أصحاب المناصب ببغداد إلا اليسير لأنهم كانوا يخافونه وكان قد قبض بعضهم وصادر بعضا واتفقوا على ذمه فتقدم السلطان بخلعه وإقامة من يصلح فخلع وقطعت خطبته في بغداد في ذي القعدة وسائر البلاد وكانت خلافته أحد عشر شهرا وأحد عشر يوما وقتله الباطنية على ما نذكره إن شاء الله تعالى
$ ذكر خلافة المقتفي لأمر الله $
لما قطعت خطبة الراشد بالله استشار السلطان جماعة من أعيان بغداد منهم الوزير علي بن طراد وصاحب المخزن وغيرهما فيمن يصلح أن يلي الخلافة فقال الوزير أحد عمومة الراشد وهو رجل صالح قال من هو قال من لا أقدر أن أفصح باسمه لئلا يقتل فتقدم إليهم بعمل محضر في خلع الراشد فعملوا محضرا ذكروا فيه ما ارتكبه من أخذ الأموال وأشياء تقدح في الإمامة ثم كتبوا فتوى ما تقول العلماء فيمن هذه صفته هل يصلح للامامة أم لا فأفتوا أن من هذه صفته لا يصلح أن يكون اماما
فلما فرغوا من ذلك أحضروا القاضي أبا طاهر بن الكرخي فشهدوا عنده بذلك فحكم بفسقه وخلعه وحكم بعده غيره ولم يكن قاضي القضاة حاضرا فإنه كان عند أتابك زنكي بالموصل ثم إن شرف الدين الوزير ذكر للسلطان أبا عبد الله الحسين وقيل محمد بن المستظهر بالله ودينه وعقله وعفته ولين جانبه فحضر السلطان دار الخلافة ومعه الوزير