كتاب الكامل في التاريخ - العلمية (اسم الجزء: 9)

@ 303 @
ولما كان الفرنج على براعة أرسل زنكي القاضي كمال الدين أبا الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري إلى السلطان مسعود يستنجده ويطلب العساكر فمضى إلى بغداد وأنهى الحال إلى السلطان وعرفه عاقبة الإهمال وأنه ليس بينه وبين الروم إلا أن تملك حلب وينحدروا مع الفرات إلى بغداد فلم يجد عنده حركة فوضع انسانا من أصحابه يوم جمعة فمضى إلى جامع القصر ومعه جماعة من زنود العجم وأمرهم أن يثور بهم إذا طلع الخطيب المنبر ويصيح ويصيحون معه وااسلاماه وادين محمداه ويشق ثيابه ويرمي عمامته من رأسه ويخرج إلى دار السلطان والناس معه يستغيثون كذلك ووضع إنسانا آخر يفعل بجامع السلطان مثله
فلما صعد الخطيب المنبر قام ذلك الرجل ولطم رأسه وألقى عمامته وشق ثوبه وأولئك معه وصاحوا فبكى الناس وتركوا الصلاة ولعنوا السلطان وساروا من الجامع يتبعون الشيخ إلى دار السلطان يستغيثون ويبكون فخاف السلطان فقال احضروا إلي ابن الشهرزوري فأحضر
فقال كمال الدين لقد خفت منه مما رأيت فلما دخلت قال لي أي فتنة أثرت فقلت ما فعلت شيئا أنا كنت في بيتي وإنما الناس يغارون للدين والإسلام ويخافون عاقبة هذا التواني فقال أخرج إلى الناس ففرقهم عنا واحضر غدا واختر من العسكر ما تريد
ففرقت الناس وعرفتهم ما أمر به من نجهيز العساكر وحضرت الغد إلى الديوان فجهزوا إلي طائفة عظيمة من الجيش فأرسلت إلى نصير الدين بالموصل أعرفه ذلك وأخوفه من العسكر إن طرقوا البلاد فإنهم يملكونها
فأعاد الجواب يقول البلاد لا شك مأخوذة فلأن يأخذها المسلمون خير من أن يأخذها الكافرون
فشرعنا في التحميل وإذا قد وصلني كتاب أتابك زنكي من الشام يخبر برحيل ملك الروم ويأمرني بأن لا أستصحب من العسكر أحدا فعرفت السلطان ذلك فقال العسكر قد تجهزت ولا بد من الغزاة إلى الشام
فأعد الجهد وبذل الحزم له ولأصحابه حتى عاد العسكر ولما عاد ملك الروم عن شيزر مدح الشعراء أتابك زنكي
وأكثروا فمن ذلك ما قاله المسلم بن الخضر بن قسيم الحموي من جملة قصيدة أولها
( بعزمك أيها الملك العظيم ... تذل لك الصعاب وتستقيم )
ومن جملتها هذه الأبيات
( ألم تر أن كلب الروم لما ... تبين أنه الملك الرحيم )

الصفحة 303