$ ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وخمسمائه $
$ ذكر حصار أتابك زنكي دمشق $
في هذه السنة حصر أتابك زنكي دمشق مرتين فأما المرة الأولى فإنه سار إليها في ربيع الأولى من بعلبك بعد الفراغ من أمرها وتقرير قواعدها وإصلاح ما تشعث منها ليحاصرها فنزل البقاع وأرسل إلى جمال الدين محمد صاحبها يبذل إليه بلدا يقترحه ليسلم إليه دمشق فلم يجبه إلى ذلك فرحل وقصد دمشق فنزل على داريا ثالث عشر ربيع الأول فالتقت الطلائع واقتتلوا وكان الظفر لعسكر زنكي وعاد الدمشقيون منهزمين فقتل كثير منهم
ثم تقدم زنكي إلى الموصل فنزل هناك ولقيه جمع كثير من جند دمشق وأحداثها ورجالة الغوطة فقاتلوه فانهزم الدمشقيون وأخذهم السيف فقتل فيهم وأكثر وأسر كذلك ومن سلم عاد جريحا
وأشرف البلد ذلك اليوم على الأخذ وأن يملك لكن عاد زنكي وأمسك عند عشرة أيام وتابع الرسل إلى صاحب دمشق وبذل له بعلبك وحمص وغيرهما مما يختاره من البلاد فمال إلى أن يسلم وامتنع غيره من أصحابه من ذلك وخوفوه عاقبة فعله وأن يفعل ويغدر كما فعل بأهل بعلبك فلما لم يسلموا إليه
عاد القتال والزحف ثم إن جمال الدين محمدا صاحب دمشق مرض ومات ثامن شعبان وطمع زنكي حينئذ في البلد وزحف إليه زحفا شديدا ظنا منه أنه ربما يقع بين المقدمين والأمراء خلاف فيبلغ به الغرض وكان ما أمله بعيدا فلما مات جمال الدين ولي بعده مجير الدين أبق ولده وتولى ترتيب دولته معين الدين أنز فلم يظهر لموت أبيه أثر مع أن عدوهم على باب المدينة فلما رأى أنز أن زنكي لا يفارقهم ولا يزول عن حصرهم راسل الفرنج واستدعاهم إلى نصرته وأن يتفقوا على دفع زنكي عن دمشق وبذل لهم بذولا وأن يحضر بانياس ويأخذها ويسلمها وخوفهم من زنكي إن ملك دمشق فعلموا صحة قوله وعلموا أنه إن ملكها لا يبقي لهم معه بالشام مقام وأن الفرنج اجتمعوا وعزموا