كتاب الكامل في التاريخ - العلمية (اسم الجزء: 9)

@ 340 @
أهلها من العسكر يعلمونهم بقتله وأظهروا الفرح فدخل أصحابه إليه فأدركوه وبه رمق
حدثني والدي عن بعض خواصه قال دخلت إليه في الحال وهو حي فحين رآني ظن أني أريد قتله فأشار إلي بأصبعه السبابة يستعطفني فوقعت من هيبته فقلت يا مولاي من فعل هذا فلم يقدر على الكلام وفاضت نفسه رحمه الله
قال وكان حسن الصورة أسمر اللون مليح العينين قد وخطه الشيب وكان قد زاد عمره على ستين سنة لأنه كان لما قتل والده صغيرا كما ذكرناه قبل ولما قتل دفن بالرقة وكان شديد الهيبة على عسكره ورعيته عظيم السياسة لا يقدر القوي على ظلم الضعيف وكانت البلاد قبل أن يملكها خرابا من الظلم وتنقل الولاة ومجاورة الفرنج فعمرها وامتلأت أهلا وسكانا
حكى لي والدي قال رأيت الموصل وأكثرها خراب بحيث يقف الإنسان قريب محلة الطيالين ويرى الجامع العتيق والعرصة ودار السلطان وليس بين ذلك عمارة قط وكان الإنسان لا يقدر على المشي إلى الجامع العتيق إلا ومعه من يحميه لبعده عن العمارة وهو الآن في وسط العمارة وليس في هذه البقاع المذكورة كلها أرض مراح قال وحدثني أيضا أنه وصل إلى الجزيرة في الشتاء فدخل الأمير عز الدين الدبيسي وهو من أكابر أمرائه ونم جملة اقطاعه مدينة دقوقا ونزل في دار إنسان يهودي فاستغاث اليهودي إلى أتابك وأنهى حاله إليه فنظر إلى الدبيسي فتأخر ودخل البلد وأخرج بركه وخيامه قال فلقد رأيت غلمانه ينصبون خيامه في الوحل وقد جعلوا على الأرض تبنا يقيهم الطين وخرج فنزلها وكانت سياسته إلى هذا الحد وكانت الموصل من أقل بلاد الله فاكهة فصارت فلي أيامه وما بعدها من أكثر البلاد فواكه ورياحين وغير ذلك
وكان أيضا شديد الغيرة ولا سيما على نساء الأجناد وكان يقول إن لم تحفظ نساء الأجناد وإلا فسدن لكثرة غياب أزواجهن في الأسفار وكان أشجع خلق الله أما قبل أن يملك فيكفيه أنه حضر مع الأمير مودود صاحب الموصل مدينة طبرية وهي للفرنج فوصلت طعنته باب البلد وأثرت فيه وحمل أيضا على قلعة عقر الحميدية وهي على جبل عال فوصلت طعنته إلى سورها إلى أشياء
وأما بعد الملك فقد كان الأعداء محدقين ببلاده وكلهم يقصدها ويريدون

الصفحة 340