كتاب مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها (اسم الجزء: 9)

والثالث: التفصيل بين اليسير والكثير، فالكثير لا يأكلُهُ، [واليسير] (¬1) يجوزُ له أن يأكله، وهو قول ابن وهب في "النوادر".
أيضًا، وكُلُّهم مُتفقون على أنّهُ ضامِنٌ لها إن أكلها بعد السنة أو تصدّق بها، إلا "أهلُ الظاهر"، فإنه قالوا: لا ضمان عليه.
وسبب الخلاف: تعارُض أحاديث اللُّقطة لأصل الشرع، فمن ذلك حديث يزيد بن خالد الجهني -وهو حديث متفق على صحته- قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله فسألهُ عن اللُّقطة فقال له: "اعرف عفاصها، ووكاءَهَا ثُمَّ عرّفها سنة، فإن جاء وإلا فشأنك بها" (¬2)، وبهذا الحديث استدلّ من يقول بجواز أكلها بعد العام مع الضمان.
ومنها ما خرّجهُ البخاري، والترمذي عن سُويد بن غفلة، قال: لقيتُ أُبيّ بن كعب فقال: وجدتُ صُرّةٌ فيها مائة دينار، فأتيتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "عَرِّفها حوْلًا" فَعرّفها فلم أجد، فأتيته ثلاثًا، فقال: "احفظ عفاصها، ووكاءها، فإن جاء صاحبها، وإلا فاستمتع بها" (¬3)، وزاد الترمذي وأبو داود: "فاستنفقها" (¬4)، وبهذا يستدلُّ أهلُ الظاهر.
ومقتضى دليل الشرع أنه لا يحلُّ مال امرئٍ مُسلم إلا عن طيب نفسٍ منه.
فمن غلّب أصل الشرع علي ظاهر الحديث قال: لا يجوز لهُ فيها التصرفُ إلا بالصدقة، على أن يخير صاحبها إذا قدَم.
¬__________
(¬1) في أ: والقليل.
(¬2) أخرجه البخاري (2243)، ومسلم (1722).
(¬3) أخرجه البخاري (2295).
(¬4) أخرجه أبو داود (1704)، (1706)، (1707)، والترمذي (1372)، (1373)، وابن ماجة (2504)، وأحمد (17087).

الصفحة 283