كتاب تفسير الماتريدي = تأويلات أهل السنة (اسم الجزء: 9)
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) يحتمل قوله: (يَغْشَى النَّاسَ) أي: غشي الناس ما ذكر، وهو عذاب أليم؛ على تأويل من قال: إنه ماضٍ كائن.
ويحتمل أن يكون قوله - تعالى -: (يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي: يغشى، فيقول الناس: هذا عذاب أليم؛ وهو على قول من يقول: إنه لم يمض بعد، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلََّ: (رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) أي: إنا نؤمن بك فيما تدعونا إليه لو كشفت عنا العذاب، في معنى الشرط والجزاء، وهو كقول قوم موسى - عليه السلام - حيث قالوا: (يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ. . .) الآية.
ويحتمل أن يكون قوله: (إِنَّا مُؤْمِنُونَ) على الحال؛ كأنهم قالوا: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون للحال.
ثم أخبر اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - أنهم لا يؤمنون، وأنهم كذبة فيما قالوا؛ حيث قال - تعالى -: (أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) يقول: أنى يتوبون؟! أو من أين تنفعهم توبتهم في ذلك بعدما خرجت أنفسهم من أيديهم، وقد جاءهم رسول قبل ذلك الوقت مبين أنه رسول؟! واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ ... (14) يحتمل: أي: أعرضوا عما جاء به رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من القرآن.
ويحتمل تولوا عما دعاهم إليه رسول اللَّه وأمرهم به.
ويحتمل: تولوا عن رسول اللَّه نفسه.
وقوله عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ).
قولهم: (مُعَلَّمٌ) لأنهم يقولون: إنما يعلمه بشر.
وقوله: (مَجْنُونٌ) نسبوه إلى الجنون؛ لوجهين:
أحدهما: ما ذكر: أنه إذا نزل به الوحي، تغيرت حاله ولونه؛ لثقل ذلك عليه، فيقولون: به آفة وجنون.
والثاني: لما رأوه قد خاطر بروحه ونفسه؛ لأنه خالف الفراعنة منهم والأكابر الذين كانت همتهم القتل والإهلاك لمن خالفهم ودعاهم إلى غير الذي كانوا عليه، إذن نسبوه إلى الجنون، واللَّه أعلم.