كتاب الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة (اسم الجزء: 9)
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: ١٥٩]. فبرأ الله نبيه من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، كما نهى عن التفرق والاختلاف، قال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)} [آل عمران].وقال الله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)} [البينة]. قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي: «وإذا لم يؤمن أهل الكتاب لهذا الرسول ولا ينقادوا له، فليس ذلك ببدع من ضلالهم وعنادهم، فإنهم ما تفرقوا واختلفوا وصاروا أحزابًا {إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} التي توجب لأهلها الاجتماع والاتفاق، ولكنهم لرداءتهم ونذالتهم لم يزدهم الهدى إلا ضلالًا، ولا البصيرة إلا عمى، مع أن الكتب كلها جاءت بأصل واحد ودين واحد» (¬١).
وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خطب الأنصار قال: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي»، فَكُلَّمَا قَالَ شَيْئًا، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ (¬٢).
وفي صحيح البخاري من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: كنا في غزاة -قال سفيان مرة: في جيش- فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «مَا
---------------
(¬١). تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص (٨٩٠).
(¬٢). صحيح البخاري برقم (٤٣٣٠)، وصحيح مسلم برقم (١٠٦١).