كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)
"""""" صفحة رقم 117 """"""
أقام بكرمان حتى استراح وأراح ، ثم أقبل راجعاً فالتقى مع سفيان بجسر دجيل الأهواز ، فعبر شبيب الجسر إلى سفيان فوجده قد نزل في الرجال ، وجعل مهاصر بن سيف على الخيل ، وأقبل شبيب في ثلاثة كراديس ، فاقتتلوا أشد قتال ، ورجع شبيب إلى المكان الذي كان فيه ، ثم حمل عليه هو وأصحابه أكثر من ثلاثين حملة ، وأهل الشام على حالهم في ثبات القدم ، ومازالوا يقاتلون الخوارج حتى اضطروهم إلى الجسر . فلما انتهى شبيب إلى الجسر نزل ونزل معه نحو مائة رجل ؛ فقاتلوا حتى المساء ، وأوقعوا بأهل الشام من الضرب والطعن ما لم يروا مثله ، فأمر سفيان الرماة أن يرموهم فتقدموا ، ورموهم ساعة ، فحمل شبيب وأصحابه على الرماة ، فقتلوا منهم أكثر من ثلاثين رجلاً ، ثم عطف على سفيان ومن معه فقاتلهم حتى اختلط الظلام ، ثم انصرف ، فقال سفيان لأصحابه : لا تتبعوهم .
فلما انتهى شبيب إلى الجسر قال لأصحابه : اعبروا فإذا أصبحنا باكرناهم إن شاء الله . فعبروا أمامه ، وتخلف في آخرهم ، وجاء ليعبر وهو على حصان وبين يديه حجر ، فنزا فرسهعليها وهو على الجسر فاضطربت تحته ، ونزل حافر رجل حصانه على حرف السفينة ، فسقط في الماء ، فلما سقط قال : ليقضي الله أمراً كان مفعولاً . وانغمس في الماء ، ثم ارتفع ، وقال : ذلك تقدير العزيز العليم . وغرق .
قال : وكان أهل الشام قد عزموا على الانصراف ، فأتاهم صاحب الجسر ، فقال لسفيان : إن رجلاً منهم وقع في الماء ، فتنادوا بينهم : غرق أمير المؤمنين . ثم انصرفوا راجعين ، وتركوا عسكرهم ليس فيه أحد ، فكبر سفيان وكبر أصحابه ، وأقبل حتى انتهى إلى الجسر ، وبعث إلى المعسكر ، وإذا ليس فيه أحد ، وإذا هو أكثر العساكر خيراً ، ثم استخرجوا شبيباً فشقوا جوفه ، وأخرجوا قلبه ؛ فكان صلباً كأنه صخرة ، فكان يضرب به الصخرة فينبو عنها قامة إنسان .
قال : وكان شبيب ينعى لأمه فيقال لها : قتل ، فلا تقبل ذلك . فلما قيل لها غرق صدقت ذلك ، وقالت : إني رأيت حين ولدته أنه خرج مني شهاب نار ، فعلمت أنه لا يطفئه إلا الماء ، وكانت أمه جارية رومية اشتراها أبوه فأولدها شبيباً سنة خمس