كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)
"""""" صفحة رقم 122 """"""
وقاتل حتى قتل في ناس من أصحابه ، ونجا من نجا منهم ، وخرجوا مهن بلاد رتبيل ، فاستقبلهم الناس بالأطعمة ، فكان أحدهم إذا أكل وشبع مات ، فحذر الناس وجعلوا يطعمونهم السمن قليلا قليلا حتى استمرءوا .
وفيها أصاب الروم أهل أنطاكية وظفروا بهم ، وكان قد أصاب أهل الشام فلم يغز تلك السنة أحدٌ منهم .
ذكر مسير عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى رتبيل وما ملكه من بلاده
كان مسيره في سنة ثمانين ؛ وذلك أنه لما رجع عبيد الله ابن أبي بكرة ومن معه من بلاد رتبيل على الحال التي ذكرنا كتب الحجاج إلى عبد الملك بخبرهم ، ويخبره أنه قد جهز من أهل الكوفة والبصرة جيشاً كثيفاً ويستأذنه في إرساله إلى بلاد رتبيل ، فأذن له في ذلك ، فجهز من أهل الكوفة عشرين ألف فارس ومن أهل البصرة مثلها ، وأنفق فيهم ألفي ألفٍ سوى أعطياتهم ، وأعطى كل رجل يوصف بشجاعة وغناء ، وبعث عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث .
ولما أراد أن يبعثه على الجيش أتاه إسماعيل بن الأشعث ، فقال : لا تبعثه ، والله ما جاز جسر الفرات فرأى لوالٍ عليه طاعة ، وإني أخاف خلافه .
فقال الحجاج : هو أهيب لي من أن يخالف أمري . وسيره على الجيش ، فسار حتى قدم سجستان ، فجمع أهلها فخطبهم ثم قال : إن الحجاج ولاني ثغركم ، وأمرني بجهاد عدوكم الذي استباح بلادكم ، فإياكم أن يتخلف منكم أحد فتسمه العقوبة . فعسكروا مع الناس ، وساروا بأجمعهم ، وبلغ الخبر رتبيل ، فأرسل يعتذر ويبذل الخراج ، فلم يقبل منه ، وسار إليه ، ودخل بلاده ، فترك له رتبيل أرضاً أرضاً ورستاقاً رستاقاً وحصنا حصناً ، وعبد الرحمن يحوي ذلك ؛ وكلما حوى بلداً بعث إليه عاملاً ، وجعل معه أعواناً ، وجعل الأرصاد على العقاب والشعاب ، ووضع المسالح بكل مكان مخوف ، حتى حاز من أرضه أرضاً عظيمة ، وملأ الناس أيديهم من الغنائم العظيمة ، ومنع الناس من التوغل ، وقال : نكتفي بما قد أصبناه العام من بلادهم حتى نجيئها ونعرفها ، ويجترئ المسلمون على طرقها ، وفي العام المقبل