كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)
"""""" صفحة رقم 132 """"""
على راعيها ، وقد سمعنا ما قال الأمير ، فسمعاً وطاعةً فيما أحب وكرهنا . فسبه ابن الجارود وقام فأتاه وجوه الناس فصوبوا رأيه وقوله ، وقال الهذيل بن عمران البرجمي وعبد الله بن حكيم بن زياد المجاشعي وغيرهما : نحن معك وأعوانك ، إن هذا الرجل غير كافٍ حتى ينقصنا هذه الزيادة فهلم نبايعك على إخراجه من العراق ، ثم نكتب إلى عبد الملك أن يولي علينا غيره ، فإن أبى خلعناه ، فإنه هائب لنا ما دامت الخوارج .
فبايعه الناس سراً ، وأعطوه المواثيق على الوفاء ، وبلغ الحجاج ما هم فيه ، فأحرز بيت المال .
فلما تم لهم أمرهم أظهروه ، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين ، واجتمع الناس على ابن الجارود حتى لم يبق مع الحجاج إلا خاصته وأهل بيته ، وأرسل الحجاج أعين صاحب حمام أعين إلى ابن الجارود يستدعيه ، فقال : لا كرامة لابن أبي رغال ، ولكن ليخرج عنا مذموماً مدحوراً ، وإلا قاتلناه . قال أعين : فإنه يقول لك : أتطيب نفساً بقتلك وقتل بيتك وعشيرتك والذي نفسي بيده لئن لم تأت لأدعن قومك وأهلك خاصة حديثاً للغابرين .
وكان الحجاج قد حمل أعين هذه الرسالة ؛ فقال ابن الجارود : لولا أنك رسولٌ لقتلتك يا ابن الخبيثة ، وأمر فوجيء في عنقه ، وأخرج . وأقبل ابن الجارود بالناس زحفاً نحو الحجاج ، وكان رأيهم أن يخرجوه عنهم ولا يقاتلوه . فلما صاروا إليه نهبوا ما في فسطاطه ، وأخذوا ما قدروا عليه من متاعه ودوابه ، وجاء أهل اليمن فأخذوا امرأته ابنة النعمان بن بشير ، وجاءت مضر فأخذوا امرأته الأخرى أم سلمة بنت عبد الرحمن بن عمرو أخي سهيل بن عمرو . ثم إن القوم انصرفوا عن الحجاج وتركوه . فأتاه قومٌ من أهل البصرة فصاروا معه خوفاً من محاربة الخليفة ، فجعل الغضبان ابن القبعثري الشيباني يقول لابن الجارود : تعش بالجدي قبل أن يتغدى بك . أما ترى من قد أتاه منكم ؟ ولئن أصبح ليكثرن ناصره ، ولتضعفن منتكم .
فقال : قد قرب المساء ، ولكنا نعاجله بالغداة ، وكان مع الحجاج عثمان بن قطن ، وزياد بن عمرو العتكي ، وكان زياد على شرطته بالبصرة ، فقال لهما : ما تريان ؟