كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)

"""""" صفحة رقم 133 """"""
فقال زياد : أرى أن آخذ لك من القوم أماناً وتخرج حتى تلحق بأمير المؤمنين ، فقد ارفض أكثر الناس عنك ، ولا أرى لك أن تقاتل بمن معك .
فقال عثمان بن قطن الحارثي : لكني لا أرى ذلك ، إن أمير المؤمنين قد شركك في أمره ، وخلطك بنفسه ، واستنصحك وسلطك ، فسرت إلى ابن الزبير وهو أعظم الناس خطراً فقتلته ، فولاك الله شرف ذلك وسناءه ، وولاك أمير المؤمنين العراقين ، فحيث جريت إلى المدى وأصبت الغرض الأقصى تخرج على قعودٍ إلى الشام ، والله لئن فعلت لا نلت من عبد الملك مثل الذي أنت فيه من السلطان أبداً ، ولكني أرى أن نمشي بسيوفنا معك فنقاتل حتى نلقى ظفراً أو نموت كراماً .
فقال له الحجاج : الرأي ما رأيت ، وحفظ هذه لعثمان ، وحقدها على زياد ، وجاء عامر بن مسمع إلى الحجاج فقال : إني قد أخذت لك أماناً من الناس ، فجعل الحجاج يرفع صوته ليسمع الناس ويقول : والله لا أؤمنهم أبداً حتى يأتوا بالهذيل وعبد الله بن حكيم . ومر عباد بن الحصين الحبطي بابن الجارود وابن الهذيل وابن حكيم وهم يتناجون ، فقال : أشركونا في نجواكم . فقالوا : هيهات أن يدخل في نجوانا أحد من الحبط ، فغضب وسار إلى الحجاج في مائة رجل ، فقال له الحجاج : ما أبالي من تخلف بعدك . وأتاه قتيبة بن مسلم في قومه من بني أعصر ، وكان الحجاج قد يئس من الحياة ، فلما جاءه هؤلاء اطمأن ، ثم جاءه سبرة بن علي الكلابي ، وسعيد بن أسلم بن زرعة ، وجعفر بن عبد الرحمن بن مخنف الأزدي ، وأرسل إليه مسمع بن مالك بن مسمع يقول : إن شئت أتيتك ، وإن شئت أقمت وثبطت الناس عنك . فقال : أقم وثبط الناس عني .
فلما اجتمع للحجاج عددٌ يمنع بمثلهم خرج ، وعبأ أصحابه ، وتلاحق الناس به ، فلما أصبح إذا حوله ستة آلاف ، فقال ابن الجارود لعبيد الله بن زياد بن ظبيان : ما الرأي ؟ قال : تركت الرأي أمس حين قال لك الغضبان : تعش بالجدي قبل أن يتغدى بك . وقد ذهب الرأى وبقي الصبر .
فحرض ابن الجارود الناس ، وزحف بهم وعلى ميمنته الهذيل ابن عمران ، وعلى ميسرته عبيد الله بن زياد بن ظبيان ، وتقدم الحجاج وعلى ميمنته قتيبة بن مسلم ، ويقال عباد بن الحصين ، وعلى ميسرته سعيد بن أسلم ، فحمل ابن الجارود

الصفحة 133