كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)
"""""" صفحة رقم 135 """"""
فكتب عبد الملك إلى الحجاج : أما بعد يا بن أم الحجاج فإنك عبدٌ طمت بك الأمور فغلوت فيها حتى عدوت طورك ، وتجاوزت قدرك ، يا بن المستفرمة بعجم الزبيب لأغمزنك غمزةً كبعض غمزات الليوث الثعالب ، ولأخبطنك خبطةً تود لها لو أنك رجعت في مخرجك من بطن أمك . أما تذكر حال آبائك بالطائف حيث كانوا ينقلون الحجارة على ظهورهم ، ويحفرون الآبار بأيديهم في أوديتهم ومياههم ؛ أم نسيت حال آبائك في اللؤم والدناءة في المروءة والخلق .
وقد بلغ أمير المؤمنين الذي كان منك إلى أنس بن مالك جرأة وإقداماً ، وأظنك أردت أن تسبر ما عند أمير المؤمنين في أمره فتعلم إنكاره ذلك وإضغاءه عنك ، فإن سوغك ما كان منك مضيت عليه قدماً ، فعليك لعنة الله من عبد أخفش العينين ، أصك الرجلين ، ممسوح الجاعرتين ، ولولا أن أمير المؤمنين ظن أن الكاتب كثر في الكتابة عن الشيخ إلى أمير المؤمنين فيك لأتاك من يسحبك ظهراً لبطنٍ حتى يأتي بك أنساً فيحكم فيك ، فأكرم أنساً وأهل بيته ، واعرف له حقه وخدمته رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولا تقصرن في شيء من حوائجه ، ولا يبلغن أمير المؤمنين عنك خلاف ما تقدم فيه إليك من أمر أنس وبره وإكرامه ، فيبعث إليك من يضرب ظهرك ، ويهتك سترك ، ويشمت بك عدوك ، والقه في منزله متنصلاً إليه ، وليكتب إلى أمير المؤمنين برضاه عنك ، إن شاء الله . والسلام .
وبعث بالكتاب مع إسماعيل بن عبد الله مولى بني مخزوم ، فأتى إسماعيل أنساً بكتاب عبد الملك فقرأه ، وأتى الحجاج بالكتاب فجعل يقرؤه ووجهه يتغير ويتمعر ، وجبينه يرشح عرقاً ، ثم قال : يغفر الله لأمير المؤمنين .
ثم اجتمع بأنس فرحب به الحجاج ، وأدناه ، واعتذر إليه ، وقال : أردت أن يعلم أهل العراق إذ كان من ابنك ما كان وإذ بلغت منك ما بلغت أني إليهم بالعقوبة أسرع .
فقال أنس : ما شكوت حتى بلغ مني الجهد ، وقد زعمت أنا الأشرار ، وقد سمانا الله الأنصار ، وزعمت أنا أهل النفاق ، ونحن الذين تبوءوا الدار والإيمان ،