كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)

"""""" صفحة رقم 138 """"""
سنة سبع وسبعين
ذكر مقتل بكير بن وساج
وفي هذه السنة قتل أمية بن عبد الله أمير خراسان بكير بن وساج ، وسبب ذلك أن أمية أمر بكيراً أن يتجهز لغزو ما وراء النهر ، فتجهز وأنفق نفقةً كبيرةً ، فقال بحير بن ورقاء لأمية : إن صار بينك وبينه النهر خلع الخليفة . فأرسل إليه أمية يقول : أقم لعلي أغزو فتكون معي ، فغضب بكير ، وكان قبل ذلك قد ولاه طخارستان ، وأنفق نفقةً عظيمة ، فحذره بحير منه فمنعه منها ، ثم إن أمية تجهز للغزو إلى بخارى وتجهز معه الناس ، وفيهم بكير بن وساج ، فلما بلغوا النهر وأرادوا قطعه قال أمية لبكير : إني قد استخلفت ابني على خراسان وأخاف أنه لا يضبطها ، لأنه غلام حدث ، فارجع إلى مرو فاكفنيها ، فقد وليتكها ، فقم بأمر ابني .
فانتخب بكير فرساناً كان قد عرفهم ووثق بهم ، ورجع . ومضى أمية إلى بخارى فقال عقاب الغداني لبكير : إنا طلبنا أميراً من قريش ، فجاءنا أميرٌ يلعب بنا ، يحولنا من سجن إلى سجن ، وإني أرى أن نحرق هذه السفن ، ونمضي إلى مرو ، ونخلع أمية ونقيم بمرو ، نأكلها إلى يومٍ ما ، ووافقه الأحنف بن عبد الله العنبري على هذا ، فقال بكير : أخاف أن يهلك هؤلاء الفرسان الذين معي . قال : إن هلك هؤلاء أنا آتيك من أهل مرو بما شئت . قال : يهلك المسلمون . قال : إنما يكفيك أن ينادي منادٍ : من أسلم رفعنا عنه الخراج ، فيأتيك خمسون ألفاً أسمع من هؤلاء وأطوع . قال : فيهلك أمية ومن معه . قال : ولم يهلكون ولهم عددٌ وعدة ونجدة وسلاح ظاهر ، ليقاتلوا عن أنفسهم حتى يبلغوا الصين .
فأحرق بكير السفن ، ورجع إلى مرو ، فحبس ابن أمية وخلع أمية ، وبلغ أمية الخبر ، فصالح أهل بخارى على فديةٍ قليلة ، ورجع وأمر باتخاذ السفن ، وعبر ، وذكر للناس إحسانه إلى بكير مرةً بعد أخرى ، وأنه كافأه بالعصيان .
وسار إلى مرو ، وأرسل شماس بن دثار في ثمانمائة ، فسار بكير إليهم ، فانهزم شماس ، وأمر أصحابه ألا يقتلوا منهم أحداً ، فكانوا يأخذون سلاحهم ويطلقونهم . وقدم أمية فتلقاه شماس ، فقدم ثابت ابن قطبة فلقيه بكير فأسره ، وفرق جمعه ، ثم أطلقه ليدٍ كانت لثابت عنده . وأقبل أمية وقاتله بكير فكان بينهم وقعات في أيامٍ ، فانكشف أصحاب بكير في بعضها ، فاتبعه حريث بن قطبة حتى بلغ القنطرة وناداه إلى أين يا بكير فرجع فضربه حريث على رأسه فقطع المغفر ، وعض السيف برأسه فقطع فصرع ، واحتمله أصحابه فأدخلوه البلد .

الصفحة 138