كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)
"""""" صفحة رقم 139 """"""
وكان أصحاب بكير يفدون في الثياب المصبغة فيجلسون يتحدثون . وينادي مناديهم من رمي بسهمٍ رمينا إليه برأس رجل من ولده وأهله ، فلا يريهم أحد . وخاف بكير إن طال الحصار أن يخذله الناس ، فطلب الصلح ؛ وأحب ذلك أيضاً أصحاب أمية ، فاصطلحوا على أن يقضي عنه أمية أربعمائة ألف ، ويصل أصحابه ويوليه أي كور خراسان شاء ، ولا يسمع قول بحير فيه ، وإن رابه ريبٌ فهو آمن أربعين يوماً .
ودخل أمية مدينة مرو ، ووفى لبكير ، وعاد إلى ما كان من الكرامة ، وأعطى أمية عقاباً عشرين ألفاً ، وكان أمية سهلا ليناً سخياً ، وكان مع ذلك ثقيلا على أهل خراسان ، وكان فيه زهد .
وعزل أمية بحيراً عن شرطته وولاها عطاء بن أبي السائب ، وطالب أمية الناس بالخراج واشتد عليهم ، فجلس بكير في المسجد وعنده الناس ، فذكروا شدة أمية فذموه وبحير ، وضرار بن حصن ، وعبد العزيز بن جارية بن قدامة في المسجد ، فنقل بحير ذلك إلى أمية فكذبه ، فادعى شهادة هؤلاء ، فشهد مزاحم بن أبي المجشر السلمي أنه كان يمزح ، فتركه أمية ، ثم إن بحيراً أتى أمية وقال : والله إن بكيراً قد دعاني إلى خلعك ، وقال : لولا مكانك لقتلت هذا القرشي ، وأكلت خراسان . فلم يصدقه أمية ، فاستشهد جماعةً ذكر بكيرٌ أنهم أعداؤه . فقبض أمية على بكير وعلى ابني أخيه : بدل ، وشمردل ، ثم أمر بعض الرؤساء بقتل بكير ، فامتنعوا فأمر بحيراً بقتله فقتله ، وقتل أمية ابني أخي بكير .
وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان .
وفيها مات جابر بن عبد الله بن عمرو الأنصاري .
سنة ثمان وسبعون
في هذه السنة عزل عبد الملك بن مروان أمية بن عبد الله عن خراسان وسجستان ؛ وضمهما إلى أعمال الحجاج ، فاستعمل الحجاج المهلب بن أبي صفرة على خراسان وعبيد الله بن أبي بكرة على سجستان ، فبعث المهلب ابنه حبيباً إلى خراسان ، فلما ودع الحجاج أعطاه بغلةً خضراء ، فسار عليها وأصحابه على البريد ، فوصل خراسان في عشرين يوما ، فلما دخل باب مرو لقيه حمل حطب ، فنفرت البغلة فعجبوا من نفارها بعد ذلك التعب وشدة السير ، ولم يعرض لأمية ولا لعماله ، وأقام عشرة أشهر حتى قدم عليه المهلب في سنة تسع وسبعين .