كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)

"""""" صفحة رقم 143 """"""
ثم كتب إليه كتاباً ثالثاً كذلك ، ويقول : إن مضيت إلى ما أمرتك وإلا فأخوك إسحاق بن محمد أمير الناس . فدعا عبد الرحمن الناس وقال لهم : أيها الناس ، إني لكم ناصح ولصلاحكم محبٌ ، ولكم في كل ما يحيط به نفعكم ناظر ، وقد كان رأيي فيما بيني وبين عدوي ، مارضيه ذوو أحلامكم وأولو التجربة منكم ، وكتبت بذلك إلى أميركم الحجاج ، فأتاني كتابه يعجزني ويضعفني ويأمرني بتعجيل الوغول بكم في أرض العدو ، وهي البلاد التي هلك فيها إخوانكم بالأمس ، وإنما أنا رجلٌ منكم أمضي إذا مضيتم ، وآبى إذا أبيتم .
فثار إليه الناس وقالوا : بل ، نأبى على عدو الله ، ولا نسمع له ولا نطيع . فكان أول من تكلم أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني ، وله صحبة ، فقال - بعد حمد الله : أما بعد فإن الحجاج يرى بكم ما رأى القائل الأول إذ قال لأخيه : احمل عبدك على الفرس ، إن هلك هلك ، وإن نجا فلك . إن الحجاج لا يبالي أن يخاطر بكم فيقحمكم بلايا كثيرة ، ويغشى بكم اللهوب واللصوب ، فإن ظفرتم وغنمتم أكل البلاد وحاز المال ، وكان ذلك زيادة في سلطانه ؛ وإن ظفر عدوكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء الذين لا يبالي عنتهم ، ولا يبقى عليهم ، اخلعوا عدو الله الحجاج ، وبايعوا الأمير عبد الرحمن ، فإني أشهدكم أني أول خالع .
فنادى الناس من كل جانب : فعلنا فعلنا ، قد خلعنا عدو الله .
وقام عبد المؤمن بن شبث بن ربعي ثانياً فتكلم ، وندب الناس إلى مبايعة عبد الرحمن ، فبايعوه على خلع الحجاج ونفيه من العراق ، ولم يذكر عبد الملك ، فوثب الناس إلى عبد الرحمن فبايعوه على خلع الحجاج ونفيه وعلى النصرة له ، فصالح عبد الرحمن رتبيل على أنه إن ظهر فلا خراج على رتبيل أبداً ، وإن هزم فأراده منعه .
ثم جعل عبد الرحمن على بست عياض بن هميان الشيباني وعلى زرنج عبد الله بن عامر التميمي ، وعلى كرمان خرشة بن عمرو التميمي ، ورجع إلى العراق ، وجعل على مقدمته عطية بن عمرو العنبري .

الصفحة 143