كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)
"""""" صفحة رقم 146 """"""
ذكر وقعة دير الجماجم وانهزام أصحاب ابن الأشعث وعود الحجاج إلى الكوفة
كانت وقعة دير الجماجم في شعبان سنة اثنتين وثمانين ، وقيل : كانت في سنة ثلاث وثمانين . والذي يقول : إنها في سنة ثلاث يقول : كان نزولهم بدير الجماجم لليلةٍ مضت من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين ، والهزيمة لأربع عشرة ليلة مضت من جمادى الآخرة منها ، فكانت مائة يوم وثلاثة أيام . والله أعلم .
وكان سبب هذه الوقعة أن الحجاج سار من البصرة إلى الكوفة لقتال عبد الرحمن بن الأشعث ، ونزل دير قرة ، وخرج عبد الرحمن من الكوفة فنزل دير الجماجم ، واجتمع لعبد الرحمن أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الثغور والمسالح والقراء ، وكانوا مائة ألفٍ ممن يأخذ العطاء ومعهم مثلهم ، وجاءت الحجاج أمداد الشام قبل نزوله بدير قرة ، وخندق كلٌ منهما على نفسه ، وكان الناس يقتتلون كل يوم ، ولا يزال أحدهما يدني خندقه من الآخر .
فبعث عبد الملك ابنه عبد الله وأخاه محمد بن مروان - وكان محمد بأرض الموصل - في جندٍ كثيف إلى الحجاج ، وأمرهما أن يعرضا على أهل العراق عزل الحجاج ، وأن يجري عليهم أعطياتهم ، كما يجري على أهل الشام ، وأن ينزل عبد الرحمن بن الأشعث أي بلد شاء من العراق ، فإذا نزل كان والياً عليها ما دام حيا ، وعبد الملك خليفة . فإن أجاب أهل العراق إلى ذلك عزلا الحجاج عنهم ، وصار محمد بن مروان أمير العراق ، وإن أبى أهل العراق ذلك فالحجاج أمير الجماعة ووالي القتال ، ومحمد وعبد الله في طاعته ، فلم يأت الحجاج أمرٌ قط كان أشد عليه ولا أوجع لقلبه منه ، وخشى أن يقبل أهل العراق عزله فيعزل عنهم ، فكتب إلى عبد الملك : والله لو أعطيت أهل العراق عزلي لم يلبثوا إلا قليلا حتى يخالفوك ويسيروا إليك ، ولا يزيدهم ذلك إلا جراءةً عليك ، ألم تر ويبلغك وثوب أهل العراق مع الأشتر على عثمان ابن عفان وسؤالهم نزع سعيد بن العاص ، فلما نزعه لم تتم لهم السنة حتى ساروا إلى عثمان فقتلوه ؛ وإن الحديد بالحديد يفلح .