كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)
"""""" صفحة رقم 149 """"""
قال : وخرج عبد الله بن رزام الحارثي يطلب المبارزة ، فخرج إليه رجل من عسكر الحجاج فقتله عبد الله ، فعل ذلك ثلاثة أيام . فلما كان في اليوم الرابع خرج فقالوا : جاء لا جاء الله به فقال الحجاج للجراح : اخرج إليه . فخرج ، فقال له عبد الله : ما جاء به ؟ ويحك يا جراح وكان له صديقاً . فقال : ابتليت بك . قال : فهل لك في خير ؟ قال الجراح : ما هو ؟ قال : أنهزم لك فترجع إلى الحجاج وقد أحسنت عنده وحمدك ، وأحتمل أنا مقالة الناس في انهزامي حباً لسلامتك ، فإني لا أحب قتل مثلك من قومي . قال : افعل .
فحمل الجراح عليه فاستطرد له ، وحمل عليه الجراح بجد يريد قتله ، فصاح بعبد الله غلامه وقال : إن الرجل يريد قتلك . فعطف عبد الله على الجراح فضربه بعمودٍ على رأسه فصرعه ، وقال له : يا جراح ، بئسما جزيتني أردت بك العافية ، وأردت قتلي . انطلق فقد تركتك للقرابة والعشيرة . قال : ودام القتال بينهم بدير الجماجم إلى آخر المدة التي ذكرناها ، فلما كان يوم الهزيمة اقتتلوا أشد قتالٍ ، واستظهر أصحاب عبد الرحمن على أصحاب الحجاج ، واستعلوا عليهم ، وهم آمنون أن ينهزموا ، فبينما هم كذلك إذ حمل سفيان بن الأبرد وهو على ميمنة الحجاج على الأبرد بن قرة التميمي ، وهو على ميسرة ابن الأشعث ، فانهزم الأبرد بالناس من غير قتالٍ ، فظن الناس أن الأبرد قد صولح على أن ينهزم بالناس ، فلما انهزم تقوضت الصفوف ، وركب الناس بعضهم بعضا ، وصعد عبد الرحمن بن محمد المنبر ينادي الناس : إلى عباد الله ؛ فاجتمع إليه جماعة ، فثبت حتى دنا أهل الشام ، فقاتل من معه ، ودخل أهل الشام العسكر ، فأتاه عبد الله بن يزيد بن المغفل الأزدي ، فقال له : انزل ، فإني أخاف عليك أن تؤسر ، ولعلك إذا انصرفت أن يجتمع لك جمعٌ يهلكهم الله به .
فنزل وانهزم هو ومن معه لا يلوون على شيء . ودخل الحجاج الكوفة ، وعاد محمد بن مروان إلى الموصل ، وعبد الله بن عبد الملك إلى الشام ، وأخذ الحجاج يبايع الناس ، وكان لا يبايع أحدا إلا قال له : أتشهد أنك كفرت ، فإن قال نعم بايعه ، وإلا قتله . فأتاه رجل من خثعم كان قد اعتزل الناس جميعاً ، فسأله عن حاله فأخبره باعتزاله ، فقال له : أنت متربص ، أتشهد أنك كافر فقال : بئس الرجل أنا إذاً ؛ أعبد الله ثمانين سنة ثم أشهد على نفسي بالكفر .
قال : إذاً أقتلك ، قال : وإن قتلتني ، فقتله . فما بقي أحدٌ من أهل الشام والعراق إلا رحمه .