كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)

"""""" صفحة رقم 162 """"""
فرحل موسى عن مرو في عشرين ومائتي فارس ، واجتمع إليه . تتمة أربعمائة ، وانضوى إليه قوم من بني سليم ، فأتى زم ، فقاتله أهلها ، فظفر بهم ، وأصاب مالاً ، وقطع النهر . فأتى بخارى فسأله صاحبها أن يلجأ إليه ، فأبى وخافه . وقال : رجل فاتك فلا آمنه ، ووصله ، وسار فلم يأت ملكا يلجأ إليه إلا كره مقامه عنده .
فأتى سمرقند ، فأكرمه ملكها طرخون وأذن له في المقام بها ، فأقام بها ما شاء الله . وكان لأهل الصغد مائدة توضع في كل عام مرةً ، عليها خبز ولحم وخل وإبريق شراب ، يجعلون ذلك لفارس الصغد فلا يقربه غيره ، فإن أكل منه بارزه الفارس ، فأيهما قتل صاحبه كانت المائدة له ، وكان الفارس المشار إليه ، فرآها رجلٌ من أصحاب موسى ، فقال : ما هذه ؟ فأخبر ، فأكل ما عليها . وجاء الفارس مغضباً ، فقال : يا أعرابي ، بارزني ، فبارزه فقتله صاحب موسى ، فقال ملك الصغد : أنزلتكم وأكرمتكم فقتلتم فارسي ، فلولا أني أمنتك وأصحابك لقتلتك ، اخرجوا عن بلدي . فخرجوا ، فأتى موسى كش ، فضعف صاحبها عنه ، فاستنصر طرخون فأتاه ، فقاتله موسى وقد اجتمع معه سبعمائة فارس يوماً حتى أمسوا وتحاجزوا ، ثم اتفقوا أن يرتحل موسى عن كش ؛ فسار فأتى ترمذ وبها حصنٌ يشرف على جانب النهر ، فنزل موسى خارج الحصن وسأل ترمذ شاه أن يدخله الحصن فأبى ، فأهدى له موسى ولاطفه حتى أنس به ، وصارت بينهما مودة ، وتصيد معه ، وصنع صاحب ترمذ طعاماً ، وأحضر موسى ليأكل معه ، وشرط ألا يحضر إلا في مائة من أصحابه ، فاختار موسى مائة منهم ، فدخلوا الحصن وأكلوا ، فلما فرغوا قال له ترمذشاه : اخرج . قال : لا أخرج حتى يكون الحصن بيتي أو قبري ، وقاتلهم فقتل منهم عدةً وهرب الباقون ، واستولى موسى عليها ، وأخرج ترمذشاه منها ، ولم يعرض له ، ولا لأصحابه .
فأتوا الترك يستنصرونهم على موسى ، فلم ينصروهم ، وقالوا : لا نقاتل هؤلاء .
وأقام موسى بترمذ ، وأتاه جمعٌ من أصحاب أبيه فقوي بهم ، فكان يغير على ما حوله .

الصفحة 162