كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)
"""""" صفحة رقم 177 """"""
الشعب ومضايقه يمنعونه ، ووضع مقاتلته في قلعةٍ حصينةٍ من وراء الشعب ، فأقام قتيبة أياماً لا يقدر على دخوله ، ولا يعرف طريقاً يسلكه إلى نيزك إلا الشعب أو مفازةً لا تقدر العساكر على قطعها ، فأتاه إنسانٌ فاستأمنه على أن يدله على مدخل القلعة التي من وراء الشعب ، فأمنه قتيبة ، وبعث معه رجالاً ، فانتهى بهم إلى القلعة ، فطرقوهم وهم آمنون ، فقتلوا منهم ، وهرب من بقى ومن كان في الشعب ، فدخل قتيبة الشعب ، فأتى القلعة ومضى إلى سمنجان ، فأقام بها أياماً ثم سار إلى نيزك ، وقدم أخاه عبد الرحمن فارتحل نيزك من منزله فقطع وادي فرغانة ، ووجه ثقله وأمواله إلى كابل شاه ، ومضى حتى نزل الكرز ، وعبد الرحمن يتبعه ، ونزل عبد الرحمن وأخذ بمضايق الكرز ، ونزل قتيبة على فرسخين من أخيه ، وتحصن نيزك بالكرز ، وليس له إلا مسلك من وجهٍ واحد ، وهو صعبٌ لا تطيقه الدواب ، فحصره قتيبة شهرين حتى قل ما في يد نيزك من الطعام ، وأصابهم الجدري . وخاف قتيبة الشتاء ، فدعا سليماً الناصح ، فقال : انطلق إلى نيزك ، واحتل لتأتيني به بغير أمان ، فإن أعياك وأبى فأمنه . فخرج إليه ، وأخذ معه أطعمةً وأخبصة كثيرة ، وأتى نيزك ، فقال له : إنك أسأت إلى نفسك وغدرت . قال نيزك : فما الرأي ؟ قال : أرى أن تأتيه ، فإنه ليس ببارحٍ ، وقد عزم على أن يشتو مكانه ، هلك أو سلم . قال نيزك : فكيف آتيه على غير أمانٍ . قال : ما أظنه يؤمنك لما في نفسه عليك ، لأنك قد ملأته غيظاً ، ولكني أرى ألا يعلم حتى تضع يدك في يده ، فإني أرجو أن يستحي ويعفو . قال : إن نفسي تأبى هذا . فقال سليم : ما أتيتك إلا لأشير عليك بهذا ، ولو فعلت لرجوت أن تسلم ويعود حالك عنده ، فإذا أبيت فإني منصرف . وقدم الطعام الذي معه ، ولا عهد لهم بمثله ، فانتهبه أصحاب نيزك ، فساءه ذلك ، فقال له سليم : أنا لك من الناصحين ، أرى أصحابك قد جهدوا ، وإن طال بهم الحصار لم آمنهم أن يستأمنوا بك . فأت قتيبة . فقال : لا آمنه على نفسي ، ولا آتيه إلا بأمان ، وإن ظني أنه يقتلني ، وإن أمنني ؛ ولكن الأمان أعذر لي . فقال سليم : قد أمنك ؛ أفتتهمني ؟ قال : لا . وقال له أصحابه : اقبل قول سليم . فخرج معه ومعه خبعويه وصول طرخان خليفة جبعويه ، وخنس طرخان صاحب شرطته وشقران ابن أخي نيزك ، فلما خرجوا من الشعب حالت خيل قتيبة بين