كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)
"""""" صفحة رقم 183 """"""
الغلائل ، وتطيبوا ، ولبسوا النعال والأردية ، ودخلوا عليه وعنده عظماء قومه ، فجلسوا فلم يكلمهم الملك ولا أحد ممن عنده ، فنهضوا .
فقالالملك لمن حضره : كيف رأيتم هؤلاء ؟ قالوا : رأينا قوما ما هم إلا نساء . ما بقي منا أحدٌ إلا انتشر ما عنده .
فلما كان الغد دعاهم فلبسوا الوشي وعمائم الخز والمطارف ، وغدوا عليه . فلما دخلوا قيل لهم : ارجعوا . وقال لأصحابه : كيف رأيتم هذه الهيئة ؟ قالوا : هذه أشبه بهيئة الرجال من تلك .
فلما كان اليوم الثالث دعاهم فلبسوا سلاحهم ، ولبسوا البيض والمغافر ، وأخذوا السيوف والرماح والقسي ، وركبوا . فنظر إليهم ملك الصين ، فرأى مثل الخيل ؛ فلما دنوا ركزوا رماحهم ، وأقبلوا مشمرين . فقيل لهم : ارجعوا ، فركبوا خيولهم وأخذوا رماحهم ، ودفعوا خيلهم ، كأنهم يتطاردون . فقال الملك لأصحابه : كيف ترونهم ؟ قالوا : ما رأينا مثل هؤلاء . فلما أمسى بعث إليهم أن ابعثوا إلي زعيمكم ، فبعثوا إليه هبيرة ابن مشمرج ، فقال له : قد رأيتم عظم ملكي ، وأنه ليس أحدٌ يمنعكم مني ، وأنتم في يدي بمنزلة البيضة في كفي . وإني سائلكم عن أمرٍ ، فإن لم تصدقوني قتلتكم . قال : سل . قال : لم صنعتم بزيكم الأول والثاني والثالث ما صنعتم ؟ قال : أما زينا الأول فلباسنا في أهلنا . وأما الثاني فزينا إذا أتينا أمراءنا ، وأما الثالث فزينا لعدونا . قال : ما أحسن ما دبرتم دهركم ، فقولوا لصاحبكم ينصرف ، فإني قد عرفت قلة أصحابه ، وإلا بعثت إليكم من يهلككم . قال : وكيف يكون قليل الأصحاب من أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون . وأما تخويفك إيانا بالقتل فإن لنا آجالاً إذا حضرت فأكرمها القتل ، ولسنا نكرهه ولا نخافه ، وقد حلف صاحبنا ألا ينصرف حتى يطأ أرضكم ، ويختم ملوككم ، وتعطى الجزية . قال : فإنا نخرجه من يمينه ، ونبعث له بترابٍ من أرضنا ، فيطؤه ، ونبعث إليه ببعض أبنائنا فيختمهم ، ونبعث إليه بجزيةٍ يرضاها . فبعث إليه بهدية وأربعة غلمان من أبناء ملوكهم ، وبترابٍ من أرضه ، وأعادهم وأحسن جوائزهم . فقدموا على قتيبة ، فقبل ذلك ، ووطيء التراب ، وختم الغلمان ، وردهم ، فقال سوادة بن عبد الملك السلولي :