كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)

"""""" صفحة رقم 193 """"""
وكان الوليد قد أمره أن يبعث به مقيداً . فقال سليمان لابنه : إذا دخلت على أمير المؤمنين فادخل أنت ويزيد في سلسلةٍ . ففعل ذلك ، فلما رأى الوليد ابن أخيه في سلسلةٍ قال : لقد بلغنا من سليمان .
ودفع أيوب كتاب أبيه إلى عمه ، وقال : يا أمير المؤمنين ، لا تخفر ذمة أبي ، وأنت أحق من منعها ، ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة في جوارنا لمكاننا منك ، ولا تذل من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك .
فقرأ الوليد كتاب سليمان فإذا هو يستعطفه ويشفع فيه ، ويضمن إيصال المال .
فقال : لقد شققنا على سليمان .
وتكلم يزيد واعتذر ، فأمنه الوليد ، ورده إلى سليمان ، وكتب إلى الحجاج : إني لم أصل إلى يزيد وأهله لمكانهم من سليمان ، فاكفف عنهم ، وكان أبو عيينة بن المهلب عند الحجاج عليه ألف ألف ، فتركها له ، وكف عن حبيب بن المهلب ، وكان يعذب بالبصرة ، وأقام يزيد عند سليمان في أرغد عيش ، وكان لا تصل إليه هديةٌ إلا بعث بنصفها إلى يزيد ، ولا تعجبه جارية إلا بعث بها إليه ، وكان يزيد إذا أتته هدية بعث بها إلى سليمان .
وفي هذه السنة استعمل الوليد قرة بن شريك على مصر ، وعزل أخاه عبد الله عنه .
وفيها أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر ، فأهداه ملكهم إلى الوليد .
وحج بالناس عمر بن عبد العزيز .
وفيها مات أنس بن مالك رضي الله عنه الأنصاري . وقيل : سنة اثنتين وتسعين ، وكان عمره ستاً وتسعين سنة ، وقيل مائة وست سنين .
سنة واحد وتسعون
في هذه السنة حج الوليد بن عبد الملك بالناس ، فلما قدم المدينة دخل المسجد ينظر إلى بنائه ، فأخرج الناس منه ، ولم يبق غير سعيد بن المسيب ، لم يجسر أحد من الحرس أن يخرجه ، فقيل له رضي الله عنه : لو قمت . فقال : لا أقوم حتى يأتي الوقت الذي كنت أقوم فيه . قيل له : فلو سلمت على أمير المؤمنين . قال : لا ، والله لا أقوم إليه . قال عمر بن عبد العزيز : فجعلت أعدل بالوليد في ناحية المسجد لئلا يراه ، فالتفت الوليد إلى القبلة ، فقال : من ذلك الشيخ : أهو سعيد ؟ قلت : نعم . ومن حاله كذا وكذا ، ولو علم بمكانك لقام فسلم عليك .

الصفحة 193