كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)

"""""" صفحة رقم 195 """"""
سنة أربع وتسعون
ذكر مقتل سعيد بن جبير رضي الله عنه
في هذه السنة قتل الحجاج بن يوسف سعيد بن جبير ، وهو أبو عبد الله سعيد بن جبير بن هشام الأسدي مولى بني والبة : بطنٌ من بني أسد بن خزيمة .
وكان سبب قتله خروجه مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، وكان الحجاج قد جعله على عطاء الجند حين وجه عبد الرحمن لقتال رتبيل ، فلما خلع عبد الرحمن الحجاج وعبد الملك كان سعيدٌ ممن خلع ؛ فلما هزم عبد الرحمن هرب سعيد إلى أصبهان ، فكتب الحجاج إلى عاملها يأمره بإرساله ، فتحرج العامل من ذلك ، وأرسل إلى سعيد يعرفه أن يفارق البلد ، فخرج إلى أذربيجان . ثم خرج إلى مكة ، فكان بها حتى قدم خالد بن عبد الله مكة ، وأخرج أهل العراق إلى الحجاج ، فأخذ سعيد فيمن أخذ ، وسيره إلى الحجاج مع حرسيين ، فانطلق أحدهما لحاجته في بعض الطريق وبقي الآخر فنام واستيقظ . فقال لسعيد : إني أبرأ إلى الله من دمك ، إني رأيت في منامي قائلا يقول لي : ويلك ؟ تبرأ إلى الله من دم سعيد بن جبير ، فاذهب حيث شئت ، فإني لا أطلبك ، فأبى سعيد ذلك ، ورأى الحرسي ذلك ثلاث مرات وهو يكرر القول على سعيد في الذهاب فلا يفعل . ثم قدم الكوفة فأدخل على الحجاج ، فلما رآه قال : لعن الله ابن النصرانية - يعني خالد بن عبد الله ، أما كنت أعرف مكانه ، بلى والله والبيت الذي كان فيه بمكة . ثم أقبل عليه وقال : يا سعيد ، ألم أشركك في أمانتي ؟ ألم أستعملك ؟ قال : بلى . قال : فما أخرجك علي ؟ قال : إنما أنا امرؤ من المسلمين يخطيء مرةً ويصيب مرة . فطابت نفس الحجاج ، ثم عاوده في شيء ، فقال : إنما كانت بيعته في عنقي . فغضب الحجاج وانتفخ . وقال : يا سعيد ، ألم أقدم مكة فقتلت ابن الزبير وأخذت بيعة أهلها ، وأخذت بيعتك لأمير المؤمنين عبد الملك ؟ قال : بلى . قال : ثم قدمت الكوفة والياً فجددت البيعة فأخذت بيعتك ثانياً ؟ قال : بلى . قال : فنكثت بيعتين لأمير المؤمنين ، وتوفي بواحدةٍ للحائك ابن الحائك ، والله لأقتلنك . قال : إني إذاً لسعيد كما سمتني أمي ، فأمر به فضربت رقبته . فلما سقط رأسه هلل ثلاثاً ؛ أفصح بمرة ولم يفصح بمرتين ، والتبس عقل الحجاج فجعل يقول :

الصفحة 195