كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)
"""""" صفحة رقم 197 """"""
فقال : يا زهري ، أو تظن هذا مما ترى علي وفي عنقي . أما إني لو شئت ما كان . ثم أخرج يديه من الغل ورجليه من القيد .
ثم قال : يا زهري ، جزت معهم على هذا منزلتين من المدينة . فما لبثنا إلا أربع ليالٍ حتى قدم الموكلون به يطلبونه بالمدينة ، فما وجدوه ، فكنت فيمن سألهم عنه ، فقال لي بعضهم : إنا نراه متبوعاً ، إنه لنازلٌ - ونحن حوله لا ننام نرصده - إذ أصبحنا ، فما وجدنا إلا حديده .
قال الزهري : فقدمت بعد ذلك على عبد الملك فسألني عن علي ابن الحسين ، فأخبرته ، فقال لي : إنه قد جاءني في يوم فقده الأعوان ، فدخل علي ، فقال : أنا وأنت فقلت : أقم عندي . فقال : لا أحب ، فخرج ، فوالله لقد امتلأ ثوبي منه خيفةً .
قال الزهري : فقلت : يا أمير المؤمنين ، ليس علي بن الحسين حيث تظن ، إنه لمشغولٌ بنفسه . فقال : نعم .
وقيل : وقع حريقٌ بالمدينة في بيتٍ فيه علي بن الحسين ، فجعلوا يقولون : يا ابن رسول الله ، النار فما رفع رأسه حتى أطفئت ، فقيل له : ما الذي ألهاك عنها ؟ قال : ألهاني عنها النار الأخرى . .
وقيل : كان إذا مشى لا تجاوز يده فخذيه ، ولا يخطر بيده . وكان إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة ، فقيل له : مالك ؟ فقال : ما تدرون بين يدي من أقوم ومن أناجي .
قيل : وكان إذا توضأ اصفر فيقول له أهله : ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء ؟ فيقول : تدرون بين يدي من أريد أقوم ؟ وعن سفيان بن عيينة قال : حج علي بن الحسين ، فلما أحرم واستوت به راحلته اصفر لونه وانتفض ، ووقع عليه الرعدة ، ولم يستطع أن يلبي . فقيل له : مالك لا تلبي ؟ فقال : أخشى أن أقول لبيك ، فيقول لي : لا لبيك . فقيل له : لا بد من هذا . فلما لبى غشى عليه ، وسقط من راحلته ، فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه .