كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)
"""""" صفحة رقم 207 """"""
وقيل : أرسل إليه شعبة بن ظهير التميمي . فقال له وكيع : يا ابن ظهير ، لبث قليلا تلحق الكتائب . ولبس سلاحه ، ونادى في الناس ، فأتوه ، وركب فرسه ، وخرج ، فأتاه الناس أرسالاً ، واجتمع إلى قتيبة أهل بيته وخواص أصحابه وثقاته ، منهم إياس ابن بيهس بن عمرو ، وهو ابن عم قتيبة ، ودعا قتيبة ببرذون له مدرب ليركبه ، فاستعصعب عليه حتى أعياه ، فجلس على سريره وقال : دعوه ، فإن هذا أمرٌ يراد . وجاء حيان في العجم وقتيبة واجدٌ عليه ، فقال عبد الله أخو قتيبة : احمل عليهم . فقال حيان : لم يأت بعد . وقال حيان لابنه : إذا رأيتني قد حولت قلنسوتي وملت نحو عسكر وكيع فمل بمن معك من العجم إلي . فلما حول حيان قلنسوته مالت الأعاجم إلى عسكر وكيع فكبروا وهاجوا ، فقتل عبد الرحمن أخو قتيبة ، وجاء الناس حتى بلغوا فسطاط قتيبة ، فقطعوا أطنابه ، وجرح قتيبة جراحات كثيرة ، فقال جهم بن زحر بن قيس لسعد : انزل فحز رأسه ، فنزل وشق الفسطاط ، واحتز رأسه ؛ وقتل معه من أهله وإخوته : عبد الرحمن ، وعبد الله ، وصالح ، وحضين ، وعبد الكريم : بنو مسلم . وقتل كثير ابنه ، وكان عدة من قتل مع قتيبة من أهله أحد عشر رجلا ، فأرسل وكيع إلى سليمان برأسه ورؤوس أهله .
ولما قتل قال رجل من خراسان : يا معشر العرب ، قتلتم قتيبة ، والله لو كان منا فمات لجعلناه في تابوت ، فكنا نستفتح به إذا غزونا .
وقال عبد الرحمن بن جمانة الباهلي يرثي قتيبة :
كأن أبا حفصٍ قتيبة لم يسر . . . بجيشٍ إلى جيش ولم يعل منبرا
ولم تخفق الرايات والجيش حوله . . . وقوفٌ ولم تشهد له الناس عسكرا
دعته المنايا فاستجاب لربّه . . . وراح إلى الجنّات عفّاً مطهّرا
فما رزئ الإسلام بعد محمّد . . . بمثل أبي حفصٍ فبكّيه عبهرا
وعبهر : أم ولد له .
ووصل خبر مقتله إلى الشام في اليوم الثاني من مقتله .
قال شيوخٌ من غسان : كنا بثنية العقاب إذا نحن برجل معه عصا وجراب ، فقلنا : من أين أقبلت ؟ قال : من خراسان . قلنا ؟ هل كان بها من خبر ؟ قال : نعم ، قتل بها قتيبة بن مسلم أمس ، فعجبنا من قوله . فلما رأى إنكارنا قال : أين تروني الليلة من إفريقية ؟ وتركنا ومضى ، فاتبعناه على خيولنا فإذا به يسبق الطرف . وثنية العقاب في مرج دمشق على نصف مرحلة منها .