كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)

"""""" صفحة رقم 209 """"""
فكتب يزيد إلى سليمان وأعلمه بحال العراق ، وأثنى على ابن الأهتم وذكر علمه بها ، وسيره على البريد ؛ فأتى ابن الأهتم سليمان فقال له : إن يزيد كتب إلي يذكر علمك بالعراق ، فكيف علمك بخراسان ؟ قال : أنا أعلم الناس بها ، ولدت بها ونشأت ، ولي بها وبأهلها خبر . قال : فأشر علي برجلٍ أوليه خراسان . قال : أمير المؤمنين أعلم بمن يريد ، فإن ذكر منهم أحداً أخبرته برأيي فيه ، فسمى رجلاً من قريش ، فقال : ليس من رجال خراسان . قال : فعبد الملك بن المهلب . فقال : لا يصح ، فإنه يضيق عن هذا ، وليس له مكر أبيه ولا شجاعته ، حتى ذكر رجالا ، وكان آخر من ذكر وكيع ابن أبي سود ، فقال : يا أمير المؤمنين ، وكيع رجلٌ شجاع صارم رئيس مقدام ، وما أحد أوجب شكرا ولا أعظم عندي يداً من وكيع ، لقد أدرك بثأري وشفاني من عدوي ، ولكن أمير المؤمنين أعظم حقا ، والنصيحة له تلزمني ، إنه وكيعاً لم يجتمع له مائة عنان قط إلا حدث نفسه بغدرة ، خامل في الجماعة ، نابه في الفتنة .
قال : فمن لها ويحك قال : رجلٌ أعلمه لم يسمه أمير المؤمنين . قال : فمن هو ؟ قال : لا أذكره حتى يضمن لي أمير المؤمنين ستر ذلك ، وأن يجيرني منه إن علم . قال : نعم ، قال : يزيد بن المهلب . قال : العراق أحب إليه من خراسان ؟ قال : قد علمت يا أمير المؤمنين ، ولكن تكرهه فيستخلف على العراق رجلا ويسير هو إلى خراسان . قال : أصبت الرأي .
فكتب عهد يزيد على خراسان ، وسيره مع ابن الأهتم ، فأتى يزيد ، فأمر بالجهاز للمسير من ساعته ، وقدم ابنه مخلداً إلى خراسان من يومه ؛ ثم سار يزيد بعده ، واستخلف على واسط الجراح بن عبد الله الحكمي ، وعلى البصرة عبد الله بن هلال الكلابي ، وجعل أخاه مروان بن المهلب على حوائجه وأموره بالبصرة ، واستخلف على الكوفة حرملة بن عمير اللخمي أشهراً ، ثم عزله ، وولي بشير بن حيان النهدي ، وكانت قيس تزعم أن قتيبة لم يخلع ، فأمر سليمان يزيداً أن يسأل عن ذلك . فإن أقامت قيس البينة أن قتيبة لم يخلع فنقيد وكيعا به ، فلما وصل مخلد بن يزيد مرو أخذه وكيع فحبسه وعذبه ، وعذب أصحابه قبل قدوم أبيه ، فكانت ولاية وكيع خراسان تسعة أشهر أو عشرة أشهر ، ثم قدم يزيد خراسان فآذى أهل الشام وقوما من أهل خراسان ، فقال نهار ابن توسعة رحمه الله :

الصفحة 209