كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)
"""""" صفحة رقم 214 """"""
سنة تسع وتسعين :
ذكر وفاة سليمان بن عبد الملك وشيءٍ من أخباره وعماله
كانت وفاته يوم الجمعة لعشرٍ مضين من صفر من السنة بدابق من أرض قنسرين بذات الجنب ، وله خمس وأربعون سنة . وكانت مدة خلافته سنتين وثمانية أشهر إلا خمسة أيام ، وصلى عليه عمر بن عبد العزيز ؛ وكان طويلا أبيض ، جميل الوجه ، فصيح اللسان ، معجباً بنفسه ، يتوقى سفك الدماء . وكان أكولاً نكاحا ، وكان حسن السيرة ، وكان الناس يقولون : سليمان مفتاح الخير ؛ ذهب عنهم الحجاج ، وولي سليمان ، فأطلق الأسارى ، وأخلى السجون ، وأحسن إلى الناس ، واستخلف عمر بن عبد العزيز . ويقال : إنه فعل في يومٍ واحد أكثر مما فعل عمر بن عبد العزيز جميع عمره ، وذلك أنه أعتق سبعين ألف مملوك ومملوكة ، وكساهم .
ومن أعظم بركاته أنه جعل عمر بن عبد العزيز ولي عهده . وحكى أنه لبس يوما حلةً خضراء وعمامةً خضراء ، ونظر في المرآة ، فقال : أنا الملك الفتى ، فما عاش جمعة .
وقيل : كانت له جاريةٌ معها مرآة ، فدعاها يوما فجاءته بها ، فنظر وجهه ، ونظرت الجارية إليه ، فقال لها : ما تنظرين ؟ قال :
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى . . . غير أن لابقاء للإنسان
ليس فيما بدا لنا منك عيبٌ . . . عابه الناس غير أنك فاني
وانصرفت ، فاستدعاها فجاءت بالمرآة فسألها عن البيتين ، فقالت : والله ما جئتك اليوم ؛ فعلم أنه نعى .
وقيل : إنه شهد جنازةً بدابق فدفنت في حقلٍ ، فجعل سليمان يأخذ من تلك التربة ، ويقول : ما أحسن هذه وأطيبها فما أتى عليه جمعة حتى دفن إلى جنب ذلك القبر .
وقيل : إنه كان له من الأولاد الذكور أربعة عشر .
وكان نقش خاتمه : آمنت بالله مخلصاً .