كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)

"""""" صفحة رقم 216 """"""
قال رجاء : فأتاني عمر بن عبد العزيز فقال : أخشى أن يكون هذا أسند إلي من هذا الأمر شيئاً ؛ فأنشدك الله إلا أعلمتني إن كان قد وقع حتى أستعفى قبل أن يأتي حالٌ لا أقدر على ذلك فيها . قال رجاء : فقلت : ما أنا مخبرك . فذهب عني غضبان .
ولقيني هشام بن عبد الملك فقال : إن لي حرمةً ومودةً قديمة فأعلمني بهذا الأمر ؛ فإن كان إلى غيري تكلمت ، ولله علي ألا أذكرك . قال : فأبيت أن أخبره . قال : ودخلت على سليمان عند موته فغمضته وسجيته ، وأغلقت الباب ، وأرسلت إلى كعب بن جابر ، فجمع أهل بيت سليمان في مسجد دابق ، فقلت : بايعوا فقالوا : قد بايعنا مرةً . قلت : وأخرى ، هذا عهدٌ من أمير المؤمنين ، فبايعوا الثانية . قال رجاء : فلما بايعوا بعد موته رأيت أني قد أحكمت الأمير فقلت : قوموا إلى صاحبكم فقد مات ، فاسترجعوا ، وقرأت الكتاب ، فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز قال هشام : لا نبايعه والله أبداً . قلت : أضرب والله عنقك . قم وبايع . فقام يجر رجليه .
قال رجاء : وأجلست عمر على المنبر وهو يسترجع لما وقع فيه ، وهشام يسترجع لما أخطأه ، فبايعوه .
قال : ولما دفن سليمان أتى عمر بمراكب الخلافة ، فقال : دابتي أرفق لي ، وركب دابته ؛ ثم أقبل سائراً ، فقيل له : منازل الخلافة ؟ فقال : فيا عيال سلمان ، وفي فسطاطي كفاية حتى يتحولوا .
قال : وبلغ عبد العزيز بن الوليد - وكان غائبا - وفاة سليمان ولم يشعر بعمر ، فدعا لنفسه ، فبلغه بيعة عمر ، فأقبل حتى دخل عليه ، فقال له عمر : بلغني أنك بايعت من قبلك ، وأردت دخول دمشق . قال : نعم ، وذلك أنه بلغني أن سليمان ما عقد لأحد فخفت على الأموال أن تنتهب . فقال له عمر : لو بايعت وقمت بالأمر لم أنازعك فيه . فبايعه عبد العزيز .
قال : ولما استقرت البيعة لعمر قال لامرأته فاطمة بنت عبد الملك : إن أردتني فردي ما معك من مال وحلي وجوهر إلى بيت المال ، فإنه للمسلمين ، وإني لا أجتمع أنا وأنت وهو في بيتٍ واحد ، فردته جميعه . فلما توفي عمر وولي أخوها يزيد رده عليها فلم تأخذه ، وقالت : ما كنت لأطيعه حياً وأعصيه ميتاً ، ففرقه يزيد على أهله .
قال : وكان من أول ما ابتدأ به عمر بن عبد العزيز أن ترك سب علي بن أبي طالب رضي الله عنه على المنابر ، وكان يسب في أيام بني أمية إلى أن ولي عمر فترك ذلك ، وأبد له بقول الله عز وجل : " إنَّ الله يأْمُرُ بالعَدْلِ والإحسان وإيتاء ذي القرْبَى ويَنْهَى عن الفحشاء والْمُنْكَرِ والبغْي يعِظكم لعلكم تذكرون " .

الصفحة 216