كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)

"""""" صفحة رقم 219 """"""
قال عاصم : أما هم كفار بظلمهم ؟ قال : لا ، لأن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) دعا الناس إلى الإيمان ، فكان من أقربه وبشرائعه قبل منه ، فإن أحدث حدثا أقيم عليه الحد . فقال عاصم : إن رسول الله دعا الناس إلى توحيد الله تعالى والإقرار بما أنزل من عنده .
قال عمر : فليس أحدٌ منهم يقول : لا أعمل بسنة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولكن القوم أسرفوا على أنفسهم على علمهم أنه محرمٌ عليهم ، ولكن غلب عليهم الشقاء .
قال عاصم : فابرأ مما خالف عملك ورد أحكامهم . قال عمر : أخبراني عن أبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما ، أليسا على الحق ؟ قالا : بلى . قال : أتعلمان أن أبا بكر حين قاتل أهل الردة سفك دماءهم ، وسبى الذراري ، وأخذ الأموال ؟ قالا : نعم . قال : أفتعلمان أن عمر رضي الله عنه رد السبايا بعده إلى عشائرهم بفدية ؟ قالا : نعم . قال : فهل برى عمر من أبي بكر ؟ قالا : لا . قال : أفتبرءون أنتم من واحد منهما ؟ قالا : لا . قال : فأخبراني عن أهل النهروان وهم أسلافكم ، هل تعلمان أن أهل الكوفة خرجوا فلم يسفكوا دماً ، ولم يأخذوا مالاً ، وأن من خرج إليهم من أهل البصرة قتلوا عبد الله بن خباب وجاريته وهي حامل ؟ قالا : نعم . قال : فهل برئ من لم يقتل ممن قتل ؟ قالا : لا . قال : أفتبرءون أنتم من إحدى الطائفتين ؟ قالا : لا . قال : أفيسعكم أن تتولوا أبا بكر وعمر وأهل الكوفة وأهل البصرة وقد علمتم اختلاف أعمالهم ، ولا يسعني إلا البراءة من أهل بيتي ، والدين واحد ؟ فاتقوا الله ، فإنكم جهال تقبلون من الناس ما رد عليهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وتردون عليهم ما قبل ، ويأمن عندكم من خاف عنده ، ويخاف عندكم من أمن عنده ، فإنكم يخاف عندكم من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، وكان من فعل ذلك عند رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أمن وحقن دمه وماله ، وأنتم تقتلونه ويأمن عندكم سائر أهل الأديان ، فتحرمون دماءهم وأموالهم .
قال اليشكري : أرأيت رجلا ولى قوماً وأموالهم فعدل فيها ثم صيرها بعده إلى رجلٍ غير مأمون ، أتراه أدى الحق الذي يلزمه لله عز وجل ، وتراه قد سلم ؟ قال عمر : لا . قال : أفتسلم هذا الأمر إلى يزيد من بعدك وأنت تعلم أنه لا يقوم فيه بالحق . قال : إنما ولاه غيري ، والمسلمون أولى بما يكون منهم فيه بعدي . قال : أفترى ذلك من صنع من ولاه حقاً ؟ فبكى عمر ، وقال : أنظراني ثلاثاً .
فخرجا من عنده ثم عادا إليه ، فقال عاصم : أشهد أنك على حق . فقال عمر لليشكري : ما تقول أنت ؟ قال : ما أحسن ما وصفت ، ولكني لا أفتات على المسلمين بأمرٍ ، أعرض عليهم ما قلت وأعلم احجتهم . فأما عاصم فأقام عند عمر ، فأمر له

الصفحة 219