كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)

"""""" صفحة رقم 223 """"""
محمداً ( صلى الله عليه وسلم ) إلى الناس كافة ، ثم اختار له ما عنده ، وترك للناس نهراً شربهم سواء ، ثم ولى أبو بكر فترك النهر على حاله ، ثم ولى عمر فعمل عملهما ، ثم لم يزل النهر يستقى منه يزيد ومروان ، وعبد الملك ابنه ، والوليد وسليمان ابنا عبد الملك ، حتى أفضى الأمر إلي ، وقد يبس النهر الأعظم ، فلن يروى أصحابه حتى يعود إلى ما كان عليه .
فقالت : حسبك قد أردت كلامك ، فأما إذا كانت مقالتك هذه فلا أذكر شيئاً أبداً ، ورجعت إليهم فأخبرتهم بكلامه .
وقد قيل : إنها قالت له : إن بني أمية كذا وكذا - ذكرت إنكارهم لفعله بهم - فلما تكلم بهذا قالت له : إنهم يحذرونك يوما من أيامهم ، فغضب وقال : كل يوم أخافه غير يوم القيامة ؛ فلا أمنني الله شره . فرجعت إليهم فأخبرتهم وقالت : أنتم فعلتم هذا بأنفسكم ، تزوجتم بأولاد عمر بن الخطاب ، فجاء يشبه جده ، فسكتوا .
قالت فاطمة امرأة عمر : دخلت عليه في مصلاه ودموعه تجري على لحيته ، فقلت : أحدث شيء ؟ قال : إني تقلدت أمر أمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، فتفكرت في الفقير الجائع والمريض الضائع والعاري والمظلوم والمقهور ، والغريب والأسير ، والشيخ الكبير وذي العيال الكثير والمال القليل وأشباههم في أقطار الأرض ، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم يوم القيامة ، وأن خصمي دونهم محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، فخشيت ألا تثبت حجتي عند الخصومة ، فرحمت نفسي فبكيت .
وكتب إلى عماله نسخةً واحدة : أما بعد فإن الله عز وجل أكرم بالإسلام أهله ، وشرفهم وأعزهم ، وضرب الذلة والصغار على من خالفهم ، وجعلهم خير أمةٍ أخرجت للناس ، فلا تولين أمر المسلمين أحداً من أهل ذمتهم وخراجهم ، فتنبسط عليهم أيديهم وألسنتهم فتذلهم بعد أن أعزهم الله ، وتهينهم بعد أن أكرمهم الله ، وتعرضهم لكيدهم والاستطالة عليهم ، ومع هذا فلا يؤمن غشهم إياهم ، فإن الله عز وجل يقول : " يأيها الذين آمنوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً من دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُم خَبَالاً وَدُّوا ما عَنِتُّم " . وقال تعالى : " يأيها الذين آمنوا لا تَتَّخِذُوا اليهودَ والنصارَى أولياءَ بعضُهم أولياءُ بَعْض " . والسلام .

الصفحة 223