كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)
"""""" صفحة رقم 234 """"""
قال : فلما ولي يزيد بن عبد الملك كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن ، وإلى عدي بن أرطاة ، يعرفهما هرب يزيد ، ويأمرهما بالتحرز منه ، وأمر عديا أن يأخذ من بالبصرة من آل المهلب ويحبسهم ، فقبض عليهم وفيهم الفضل وحبيب ومروان بنو المهلب ، وأقبل يزيد بن المهلب نحو البصرة ، وقد جمع عدي بن أرطاة الجموع ، وخندق على البصرة ، وندب الناس ، وجاء يزيد في أصحابه ، والذين معه ، فالتقاه أخوه محمد بن المهلب فيمن اجتمع إليه من أهله وقومه ومواليه ، فمر بجموع عدي ؛ فجعل لا يمر بخيلٍ من خيل عدي إلا تنحوا عن طريقه ، وأقبل حتى نزل داره ، واختلف الناس إليه ، فبعث إلى عدي أن ابعث إلي إخوتي وأنا أصالحك على البصرة وأخليك وإياها حتى آخذ لنفسي من يزيد ما أحب . فلم يقبل منه ، وأخذ يزيد بن المهلب يعطى من أتاه قطع الذهب والفضة ؛ فمال الناس إليه ؛ وكان عدي لا يعطي إلا درهمين درهمين ، ويقول : لا يحل أن أعطيكم من بيت المال درهما إلا بأمر يزيد بن عبد الملك ، ولكن تبلغوا بهذه حتى يأتي الأمر ، فقال الفرزدق :
أظنّ رجال الدّرهمين تقودهم . . . إلى الموت آجالٌ لهم ومصارع
وأكيسهم من قرّ في قعر بيته . . . وأيقن أنّ الموت لا بدّ واقع
وخرج يزيد حين اجتمع الناس له حتى نزل جبانة بني يشكر وهو المنصف فيما بينه وبين القصر ، فلقيه قيس وتميم وأهل الشام ، فاقتتلوا هنيهة وانهزموا ، فتبعهم يزيد وأصحابه حتى دنا من القصر ، وخرج إليهم عدي بنفسه فقتل من أصحابه وانهزم هو ، وقصد قتل آل المهلب الذين في حبسه ؛ فأغلقوا الباب ومنعوا عن أنفسهم حتى أدركهم يزيد ، ونزل في دار سالم ابن زياد بن أبيه ، وهي إلى جنب القصر ، ونصب السلاليم ، وفتح القصر ، وأتى بعدي بن أرطاة فحبسه ، وقال : لولا حبسك إخوتي لما حبستك ، وأخرج إخوته وهرب بوجوه أهل البصرة ، فلحقوا بالكوفة ، وكان يزيد قد بعث حميد بن عبد الملك بن المهلب إلى يزيد ابن عبد الملك في طلب الأمان ، فعاد بما طلب ومعه خالد القسري وعمرو ابن يزيد الحكمي ، فوجد المغيرة بن زياد وقد فر من يزيد ابن المهلب ، فأخبرهم الخبر ، فعادوا إلى يزيد بن عبد الملك ومعهم حميد ، وأرسل يزيد بن عبد الملك إلى أهل الكوفة يثنى عليهم ويعدهم الزيادة وأرسل أخاه مسلمة وابن أخيه العباس بن الوليد ، في سبعين ألف مقاتل من أهل الشام والجزيرة .
وقيل : كانوا ثمانين ألفا ، فساروا إلى العراق حتى بلغوا الكوفة فنزلوا بالنخيلة ، واستوثق أمر البصرة لابن المهلب ، وبعث عماله على الأهواز وفارس