كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)
"""""" صفحة رقم 243 """"""
وخرجت معه إلى ناحية الأردن للتنزه فرماها بحبة عنب فدخلت حلقها فشرقت ومرضت وماتت ، فتركها ثلاثة أيام لا يدفنها حتى أنتنت ، وهو يقبلها ويشمها وينظر إليها ويبكي ، فكلم في أمرها فدفنها .
وقيل : إنه نبشها بعد دفنها ، وبقي سبعة أيامٍ لا يظهر للناس ، وأشار عليه مسلمة بذلك لئلا يظهر منه ما يسفهه عندهم .
قال : وكان يزيد قد حج أيام أخيه سليما ، فاشترى حبابة بأربعة آلاف دينار ، وكان اسمها الغالية ، فقال سليمان : لقد هممت أن أحجر على يزيد . فردها يزيد فاشتراها رجلٌ من أهل مصر ، فلما أفضت الخلافة إلى يزيد قالت له امرأته سعدة يوما : هل بقي من الدنيا شيء تتمناه ؟ قال : نعم ، حبابة ، فأرسلت فاشترتها ، وأتت بها فأجلستها من وراء الستر ، وأعادت عليه القول الأول . فقال : قد أعلمتك ، فرفعت الستر ، وقالت : هذه حبابة ، وقامت وتركتها ، فحظيت سعدة عنده ، وأكرمها .
وهي سعدة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان .
قال : وإنما قيل لسلامة القس ، لأن عبد الرحمن بن عبد الله ابن أبي عمار أحد بني جشم بن معاوية بن بكر كان فقيها عابداً مجتهدا في العبادة ، وكان يسمى القس لعبادته . مر يوما بمنزل مولاها ، فسمع غناءها ، فوقف يسمعه فرآه مولاها ، فقال له : هل لك أن تنظر وتسمع فأبى ، فقال : أنا أقعدها بمكانٍ لا تراها وتسمع غناءها . فدخل معه فغنت ، فأعجبه غناؤها . ثم أخرجها مولاها إليه فشغف بها وأحبها وأحبته . فقالت له يوما على خلوة : أنا والله أحبك . قال : وأنا والله . قالت : وأحب أن أقبلك . قال : وأنا والله . قالت : وأحب أن أضع بطني على بطنك . قال : وأنا والله . قالت : فما يمنعك ؟ قال : قوله تعالى : " الإخلاَّءُ يومئذ بعْضُهم لبَعْضٍ عدوٌّ إلاَّ المتَّقِين " . وأنا أكره أن تئول خلتنا إلى عداوة ، ثم قام وانصرف عنها وعاد إلى عبادته . وله فيها أشعار كثيرة منها قوله :
ألم ترها لا يبعد الله دارها . . . إذا طرّبت في صوتها كيف تصنع
تمدّ نظام القول ثم ترده . . . إلى صلصلٍ من صوتها يترجع
وله فيها غير ذلك .
وأما يزيد فأخباره مع سلامة وحبابة كثيرة مشهورة أضربنا عن ذكر كثير منها .