كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)

"""""" صفحة رقم 249 """"""
ثم اجتمع رجالٌ من المسلمين تبايعوا على الموت مع قطن بن قتيبة ، وحملوا على العدو فقاتلوهم فكشفوهم ، وركبهم المسلمون يقتلونهم حتى حجز بينهم الليل ، وتفرق العدو ، وأتى أشرس بخارى ، فحصر أهلها فعزل وهو يحاصرها بالجنيد بن عبد الرحمن على ما نذكره إن شاء الله تعالى .
ذكر وقعة كمرجة
قال : ثم إن خاقان حصر كمرجة ، وهي من أعظم بلدان خراسان ، وبها جمعٌ من المسلمين ، ومع خاقان أهل فرغانه وأفشينة ، ونسف ، وطوائف من أهل بخارى ، فأغلق المسلمون الباب ، وقطعوا القنطرة التي على الخندق ، فأتاهم ابن خسرو بن يزدجرد ، فقال : يا معشر العرب ، لم تقتلون أنفسكم ؟ أنا الذي جئت بخاقان ليرد على مملكتي ، وأنا آخذ لكم الأمان ، فشتموه ، وأتاهم بازغري ، فقال : إن خاقان يقول لكم : إني أجعل من عطاؤه منكم ستمائة ألفا ، ومن عطاؤه ثلاثمائة ستمائة ، ويحسن إليكم وتكونون معه ، فأبوا ذلك ، فأمر خاقان بجمع الحطب الرطب ، وأن يلقى في الخندق ليعبروا عليه . فجمع في سبعة أيام ، فكانوا يلقون الحطب الرطب ، ويلقى المسلمون الحطب اليابس حتى سوى الخندق بالأرض ؛ فأشعل المسلمون فيه النيران ، وهاجت ريحٌ شديدةٌ ، فاحترق الحطب الذي جمع في سبعة أيام في ساعةٍ واحدة ، ثم فرق خاقان على الترك أغناما ، وأمرهم أن يأكلوها ويحشوا جلودها تراباً ، ويلقوها في الخندق ، ففعلوا ذلك ، فأرسل الله تعالى مطراً شديدا ، فاحتمل السيل ما في الخندق ، وألقاه في النهر الأعظم .
ورماهم المسلمون بالسهام فقتل بازغرى وكان داهيةً ، وكان خاقان لا يخالفه ؛ ففرح المسلمون بقتله ، وكان عند المشركين مائةٌ من أسرى المسلمين فيهم أبو الحوجاء العتكي والحجاج ابن حميد النضري ، وكان عند المسلمين مائتان من أولاد المشركين رهائن فقتلوهم ، واستماتوا واشتد القتال .
ثم وقع الاتفاق بينهم وبين الترك على أن خاقان يرحل عن كمرجة ، ويرحلوا هم عنها أيضا إلى سمرقند والدبوسية ، فأجاب أهل كمرجة إلى ذلك ، وأخذ كلٌ منهم من الطائفتين رهائن من الأخرى على الوفاء ، وارتحل خاقان ، ثم رحلوا بعده ،

الصفحة 249