كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)
"""""" صفحة رقم 252 """"""
ولم يزل كذلك حتى وصل إلى مدينة أرزن ، فلقيه جماعة من أصحاب الجراح ، فردهم معه ، وسار فبلغ خلاط ، فحاصرها أياما وفتحها ، وقسم غنائمها في أصحابه ، ثم سار عنها وفتح الحصون والقلاع شيئا بعد شيءٍ حتى أتى بردعة ، وكان ابن خاقان يومئذ بأذربيجان يغير وينهب ويسبي ويقتل ، وهو يحاصر مدينة ورثان ، فأرسل الحرشي رجلا من أصحابه إلى أهلها يعرفهم وصوله ، ويأمرهم بالصبر ، فسار ولقيه بعض الخزر ، فأخذوه وسألوه عن الخبر ، فأخبرهم وصدقهم ، فقالوا له : إن فعلت ما نأمرك به أحسنا إليك ، وأطلقناك ، وإلا قتلناك . قال : فما الذي تريدون ؟ قالوا : تقول لأهل ورثان : إنكم ليس لكم مدد ، ولا من يكشف ما بكم ، وتأمرهم بتسليم البلد إلينا . فأجابهم إلى ذلك .
فلما قارب المدينة وقف بحيث يسمع أهلها كلامه ، فقال لهم : أتعرفوني ؟ قالوا : نعم ، أنت فلانٌ ، قال : فإن الحرشي قد وصل إلى مكان كذا في عساكر كثيرة ، وهو يأمركم بحفظ البلد ، والصبر ، ففي هذين اليومين يصل إليكم .
فرفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير ، وقتلت الخزر ذلك الرجل ، ورحلوا عن مدينة ورثان ، ووصلها الحرشي ، وقد ارتحل الخزر إلى أردبيل ، فسبقهم إليها ، فساروا عنها ، ونزل سعيد باجروان ، فأتاه فارسٌ على فرس أبيض ، فقال له : أيها الأمير ، هل لك في الجهاد والغنيمة ؟ قال : وكيف لي بذلك ؟ قال : هذا عسكر الخزر في عشرة آلاف ، ومعهم خمسة آلاف بنت من المسلمين أسارى وسبايا ، وهم على أربعة فراسخ .
فسار الحرشي إليهم ليلاً ، فوافاهم آخر الليل ، وهم نيامٌ ، فكبسهم مع الفجر ، ووضع المسلمون فيهم السيف ، فما بزغت الشمس حتى قتلوا عن آخرهم غير رجل واحد .