كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)

"""""" صفحة رقم 254 """"""
للمسير ، وبلغ ذلك الترك ؛ فغوروا الآبار التي في طريق كش ، وسار الجنيد يريد سمرقند ، فأخذ طريق العقبة ، وارتقى في الجبل ، ثم سار حتى صار بينه وبين سمرقند أربعة فراسخ ، ودخل الشعب فصبحه خاقان في جمعٍ عظيم ؛ فكانت بينهم وقعةٌ عظيمة صبر الناس فيها وقاتلوا حتى كانت السيوف لا تقطع شيئاً ، فقطع عبيدهم الخشب يقاتلون به ، ثم كانت المعانقة ؛ ثم تحاجزوا ، فاستشهد من المسلمين جماعةٌ .
فبينما الناس كذلك إذ أقبل رهج ، وطلعت الفرسان ، فنادى منادي الجنيد : الأرض الأرض وترجل ، وترجل الناس ، ثم أمر أن يخندق كل قائد على حياله ، فخندقوا وتحاجزوا وقد أصيب من الأزد يومئذ مائة وتسعون رجلا ، وكان قتالهم يوم الجمعة ، فلما كان يوم السبت قصدهم خاقان وقت الظهر ، فلم ير موضعا للقتال أسهل من موضع بكر بن وائل ، وعليهم زياد ابن الحارث ، فقصدهم ، فلما قربوا حملت بكرٌ عليهم فافرجوا لهم ، واشتد القتال بينهم .
فلما رأى الجنيد شدة الأمر استشار أصحابه ، فقال له عبيد الله بن حبيب : اختر إما أن تهلك أنت أو سورة بن الحر . فقال : هلاك سورة أهون علي . قال : فاكتب إليه فليأتك في أهل سمرقند ؛ فإنه إذا بلغ الترك إقباله توجهوا إليه فقاتلوه .
فكتب إليه الجنيد يأمره بالقدوم ، فسار في اثني عشر ألفا ، فأصبح على رأس جبلٍ ، فتلقاه خاقان ، وقد بقي بينه وبين الجنيد نحو فرسخ فقاتلهم فاشتد القتال ، وسقط سورة بن الحر ، فاندقت فخذه ، وقتل وتفرق الناس ، وقتلهم الترك ، ولم ينج منهم غير ألفين . ويقال : ألف .
ولما استقل خاقان بقتال سورة خرج الجنيد مبادراً يريد سمرقند ، فلقيه الترك قبل وصوله إليها ، فقاتلهم قتالاً شديدا . وقال الجنيد : أي عبد قاتل فهو حر . فقاتل العبيد قتالا عجبت منه الناس ، وهزم الله الترك .
ومضى الجنيد إلى سمرقند ، وكتب إلى هشام بن عبد الملك بالخبر . فكتب إليه هشام : قد وجهت إليك عشرة آلاف من أهل البصرة ، وعشرة آلاف من أهل الكوفة ، ومن السلاح ثلاثين ألف رمح ، ومثلها ترسة ، فافرض فلا غاية لك في الفريضة لخمسة عشر ألفا .

الصفحة 254