كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)
"""""" صفحة رقم 256 """"""
ذكر غزو مروان بن محمد بلاد الترك ودخوله إلى بلاد ملك السرير وغيرها من بلادهم وما افتتحه وقرره وصالح عليه الملوك
وفي سنة 114 أربع عشرة استعمل هشام بن عبد الملك مروان بن محمد بن مروان على الجزيرة وأذربيجان وأرمينية . وسبب ذلك أنه كان في عسكر مسلمة بن عبد الملك حين غزا الخزر ، فلما عاد مسلمة - كما تقدم - سار مروان إلى هشام فلم يشعر به حتى دخل عليه ، فسأله عن سبب قدومه ، فقال : ضقت ذرعاً بما أذكره ، ولم أر من يحمله غيري . قال : وما هو ؟ قال : يا أمير المؤمنين ؛ إنه كان من دخول الخزر إلى بلاد الإسلام وقتل الجراح وغيره ما دخل به الوهن على المسلمين . ثم رأى أمير المؤمنين أن يوجه أخاه مسلمة إليهم ، فوالله ما وطيء من بلادهم إلا أدناها ، ثم إنه لما رأى كثرة جمعه أعجبه ذلك ، فكتب إلى الخزر يؤذنهم بالحرب ، وأقام بعد ذلك ثلاثة أشهر ، فاستعد القوم وحشدوا ، فلما دخل بلادهم لم يكن له فيهم نكايةٌ ، فكان قصاراه السلامة ، وقد أردت أن تأذن لي في غزوة أذهب بها عنا العار ، وأنتقم من العدو . قال : قد أذنت لك . قال : وتمدني بمائة ألف وعشرين ألف مقاتل ؟ قال : قد فعلت . قال : وتكتم هذا الأمر عن كل أحدٍ ؟ قال : قد فعلت . وقد استعملتك على إرمينية .
فودعه وسار إلى إرمينية والياً عليها وسير إليه هشام الجنود من الشام والعراق والجزيرة ، فاجتمع عنده من الجنود والمتطوعة مائة ألف وعشرون ألفا ، فأظهر أنه يريد غزو اللان ، وأرسل إلى ملك الخزر يطلب منه المهادنة ، فأجابه إلى ذلك ، وأرسل إليه من يقرر الصلح ، فأمسك الرسول عنده إلى أن فرغ من جهازه ، وأحضره ، ثم أغلظ لهم في القول وآذنهم بالحرب ، وسير الرسول إلى صاحبه بذلك ، ووكل به من يسير به على طريق فيه بعد ، وسار هو في أقرب الطرق ، فما وصل الرسول إلى صاحبه إلا ومروان قد وافاهم بالجنود ، فاستشار ملك الخزر أصحابه ، فقالوا : إن هذا قد جمع ودخل بلادك ، فإن أقمت إلى أن تجمع لم يجتمع جندك إلى مدةٍ ، فيبلغ منك ما يريد ، وإن أنت لقيته على حالك هذه هزمك وظفر بك ، والرأي أن تتأخر إلى أقصى بلادك ، وتدعه وما يريد .
فقبل رأيهم وسار ودخل مروان البلاد ، وأوغل فيها ، وأخربها ، وغنم وسبى ، وانتهى إلى آخرها ، وأقام فيها عدة أيام أذلهم ، ودخل بلاد ملك السرير ، فأوقع بأهلها ، وفتح قلاعاً ، ودان له الملك ، وصالحه على ألف رأس : خمسمائة غلام ، وخمسمائة جارية سود الشعور ، ومائة ألف مدىٍ تحمل إلى الباب ، وصالح أهل تومان