كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)
"""""" صفحة رقم 276 """"""
وقيل : لما أراد هشام أن يولي يوسف العراق كتم ذلك ، فقدم جندب مولى يوسف بكتاب يوسف إلى هشام ، فقرأه ثم قال لسالم مولى عنبسة - وهو على الديوان : أجبه عن لسانك ، وأتني بالكتاب .
وكتب هشام بخطه كتابا صغيرا إلى يوسف يأمره بالمسير إلى العراق .
فكتب سالم الكتاب وأتاه به ، فجعل كتابه في وسطه وختمه ، ثم دعا رسول يوسف فأمر به فضرب ومزقت ثيابه ، ودفع إليه الكتاب ، فسار وارتاب بشير بن أبي ثلجة وكان خليفة سالم ، وقال : هذه حيلةٌ ، وقد ولى يوسف العراق . فكتب إلى عياض - وهو نائب سالم بالعراق : إن أهلك قد بعثوا إليك بالثوب اليماني : فإذا أتاك فالبسه ، واحمد الله تعالى . وأعلم ذلك طارقا . فأعلم عياض طارق بن أبي زيادب الكتاب ، ثم ندم بشير على كتابه ، فكتب إلى عياض : إن أهلك قد بدا لهم في إمساك الثوب .
فأتى عياض بالكتاب الثاني إلى طارق ، فقال طارق : الخبر في الكتاب الأول ، ولكن بشيرا ندم وخاف أن يظهر الخبر . وركب طارقٌ من الكوفة إلى خالد وهو بواسط ، فرآه داود ، وكان على حجابة خالد وديوانه ، فأعلم خالداً فأذن له ، فلما رآه قال : ما أقدمك بغير إذن ؟ قال : أمرٌ كنت أخطأت فيه ، كنت قد كتبت إلى الأمير أعزيه بأخيه أسد ، وإنما كان يجب أن آتيه ماشياً ، فرق خالد ودمعت عيناه ، فقال : ارجع إلى عملك . فأخبره الخبر لما غاب داود ؛ قال : فما الرأي ؟ قال : تركب إلى أمير المؤمنين فتعتذر إليه مما بلغه عنك . قال : لا أفعل ذلك بغير إذن . قال : فترسلني إليه حتى آتيك بإذنه . قال : ولا هذا . قال : فاضمن لأمير المؤمنين جمع ما انكسر في هذه السنين وآتيك بعهده . قال : وكم مبلغه ؟ قال : مائة ألف ألف . قال : ومن أين أجدها ؟ والله ما أجد عشرة آلاف ألف درهم . قال : أتحمل أنا وفلان وفلان . قال : إني إذاً للئيم ، أن كنت أعطيتكم شيئاً وأعود فيه . قال طارق : إنما نقيك ونقي أنفسنا بأموالنا ، ونستأنف الدنيا وتبقى النعمة عليك وعلينا خيرٌ من أن يجيء من يطالبنا بالأموال . وهي عند أهل الكوفة فيتربصون فنقتل ويأكلون تلك الأموال . فأبى خالد ، فودعه طارق وبكى ، وقال : هذا آخر ما نلتقي في الدنيا ، ومضى إلى الكوفة ، وخرج خالد إلى الحمة ، وقدم رسول يوسف