كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)
"""""" صفحة رقم 282 """"""
الناس عليك وعلينا معك ، فلم يفعل . وظهر للناس منه تهاونٌ بالدين واستخفافٌ ، فطمع هشام في البيعة لابنه مسلمة ، وخلع الوليد ، وأراد الوليد على ذلك فأبى ، فقال له : اجعله بعدك ، فأبى ؛ فتنكر له هشام ، وعمل سراً في البيعة لابنه مسلمة ، فأجابه قوم ، فكان ممن أجابه خالاه : محمد ، وإبراهيم ابنا هشام ابن إسماعيل ، وبنو القعقاع بن خليد العبسي وغيرهم من خاصته . وأفرط الوليد في الشراب ، وطلب اللذات ؛ فقال له هشام : يا وليد ، والله ما أدرى أعلى الإسلام أنت أم لا ؟ ما تدع شيئاً من المنكر إلا أتيته غير متحاش ؛ فكتب إليه الوليد :
يأيّها السائل عن ديننا . . . نحن على دين أبي شاكر
نشربها صرفا وممزوجةً . . . بالسّخن أحيانا وبالفاتر
فغضب هشامٌ على ابنه مسلمة ، وكان يكنى أبا شاكر ، وقال له : يعيرني الوليد بك ، وأنا أرشحك للخلافة . فألزمه الأدب ، وأحضره الجماعة ، وولاه الموسم سنة تسع عشرة ومائة ، فأظهر النسك واللين ، وقسم بمكة والمدينة أموالا ، فقال مولى لأهل المدينة :
يأيّها السائل عن ديننا . . . نحن على دين أبي شاكر
الواهب الجرد بأرسانها . . . ليس يزنديقٍ ولا كافر
يعرض بالوليد .
وكان هشام ينتقص الوليد ويعيبه ، فخرج الوليد معه ناسٌ من خاصته ومواليه ، فنزل بالأزرق على ماءٍ يقال له الأغدف ، وخلف كاتبه عياض بن مسلم عند هشام ليكاتبه بما عندهم .
وقطع هشام عن الوليد ما كان يجري عليه ، وكاتبه فيه الوليد فلم يجبه إلى رده ، وأمره بإخراج عبد الصمد من عنده ، فأخرجه وسأله أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليه ، فضرب هشامٌ ابن سهيل وسيره إليه ، وأخذ عياض بن مسلم كاتب الوليد فضربه وحبسه . فقال الوليد : من يثق بالناس ، ومن يصنع المعروف ؟ هذا الأحول المشؤوم أبى ، قدمه على أهل بيته ولى عهده ، ثم يصنع بي ما ترون ، لا يعلم أن لي في أحدٍ هوىً إلا عبث به .