كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)
"""""" صفحة رقم 283 """"""
وكتب إلى هشام في ذلك يعاتبه ، ويسأله أن يرد عليه كاتبه . فلم يرده ، فكتب إليه الوليد :
رأيتك تبني دائما في قطيعتي . . . ولو كنت ذا حزمٍ لهدّمت ما تبني
تثير على الباقين مجنى ضغينةٍ . . . فويلٌ لهم إن متّ من شرّ ما تجني
كأني بهم والليت أفضل قولهم . . . ألا ليتنا والليت إذ ذاك لا يغنى
كفرت يداً من منعمٍ لو شكرتها . . . جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمنّ قال ، ولم يزل الوليد مقيماً بتلك البرية حتى مات هشام ، فلما كان صبيحة اليوم الذي جاءته فيه الخلافة قال لأبي الزبير المنذر بن أبي عمرو : ما أتت علي ليلة منذ عقلت عقلي أطول من هذه الليلة ، عرضت لي أمورٌ ، وحدثت نفسي فيها بأمور من أمر هذا الرجل - يعني هشاما - قد أولع بي ، فاركب بنا نتنفس ، فركبا فسارا ميلين ، ووقف على كثيب ، فنظر إلى رهج ، فقال : هؤلاء رسل هشام ، نسأل الله من خيرهم ؛ إذ بدا رجلان على البريد : أحدهما مولىً لأبي محمد السفيان ، فلما قربنا نزلا يعدوان حتى دنوا منه ، فسلما عليه بالخلافة ، فوجم ، ثم قال : أمات هشام ؟ قالا : نعم والكتاب معنا من سالم ابن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل . فقرأه ؛ وسأل مولى أبي محمد السفياني عن كاتبه عياض ، فقال : لم يزل محبوسا حتى نزل بهشام الموت ، فأرسل إلى الخزان فقال : احتفظوا بما في أيديكم ، فأفاق هشام فطلب شيئاً فمنعوه ، فقال : إنا لله ، كنا خزاناً للوليد ، ومات من ساعته .
وخرج عياض من السجن ، فختم أبواب الخزائن ، وأنزل هشاماً عن فرشه وما وجدوا له قمقما يسخن فيه الماء حتى استعاروه ، ولا وجدوا له كفناً من الخزائن ، فكفنه غالب مولاه ، فقال الوليد :
هلك الأحول المشو . . . م فقد أرسل المطر
وملكنا من بعد ذا . . . ك ، فقد أورق الشجر
فاشكر الله إنّه . . . زائد كلّ من شكر
وقيل : إن هذا الشعر لغير الوليد .
قال : ولما سمع الوليد بموته كتب إلى العباس بن عبد الملك ابن مروان أن يأتي الرصافة فيحصى ما فيها من أموال هشام وولده وعماله وحشمه إلا مسلمة بن هشام