كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 21)

"""""" صفحة رقم 287 """"""
فقال خالد : ما عهدت العرب تباع ، والله لو سألني أن أضمن عوداً ما ضمنته ، فدفعه إلى يوسف ، فنزع ثيابه ، وحمله على بعيرٍ بغير وطاءٍ ، وعذبه عذاباً شديداً ، وهو لا يكلمه كلمةً واحدة ، ثم حمله إلى الكوفة فعذبه ، ووضع المضرسة على صدره فقتله ، ودفنه من الليل بالحيرة في العباءة التي كان فيها ، وذلك في المحرم سنة 1 ست وعشرين ومائة .
وقيل : بل أمر يوسف فوضع على رجليه عود ، وقام عليه الرجال حتى تكسرت قدماه ، وما تكلم ولا عبس ، ثم على ساقيه وفخذيه ، ثم على صدره حتى مات .
وكانت أم خالد نصرانيةً روميةً استلبها أبوه ، فأولدها خالداً وأسد ، ولم تسلم ، وبنى لها خالد بيعة فذمه الناس على ذلك ، فقال الفرزدق :
ألا قطع الرحمن ظهر مطيّةٍ . . . أتتنا نهادى من دمشق بخالد
فكيف يؤمّ الناس من كانت امّه . . . تدين بأنّ الله ليس بواحد
بنى بيعةً فيها النصارى لأمّه . . . ويهدم من كفرٍ منار المساجد
وكان خالد قد أمر بهدم منار المساجد ؛ لأنه بلغه أن شاعراً قال :
ليتني في المؤذّنين حياتي . . . إنهم يبصرون من في السطوح
ويشيرون أو تشير إليهم . . . بالهوى كلّ ذات دلٍّ مليح
فلما بلغ خالداً هذا الشعر أمر بهدمها .
ولما بلغه أن الناس يذمونه لبنائه البعية لأمه قام يعتذر إليهم ، فقال : لعن الله دينهم إن كان شراً من دينكم . وحكى عنه أنه كان يقول : إن خليفة الرجل في أهله أفضل من رسوله إليهم - يعني أن هشاما أفضل من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، نبرأ إلى الله من ذلك .
وكان خالدٌ يصل الهاشميين في أيام إمارته ، ويبرهم ، إلا أنه كان يبالغ في سب علي رضي الله عنه ، ويلعنه ، فقيل : إنه كان يفعل ذلك نفياً للتهمة ، وتقرباً إلى بني أمية ، فأتاه مرةً محمد ابن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان يستميحه ، فلم ير منه ما يحب ، فقال : أما الصلة فللها شميين ، وليس لنا منه إلا أن يلعن عليا ، فبلغ خالدا كلامه ، فقال : إن أحب نلنا عثمان بشيء ؛ يريد بشيء من اللعن أو السب ، والله تعالى أعلم .

الصفحة 287