كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 22)

"""""" صفحة رقم 110 """"""
وأخيه ، فعزم على إخراج بعضهم ، فضج المطوعة حتى سمع ضجيجهم ، فأذن لعشرين منهم فقال قائلهم : يا أمير المؤمنين ، قوادك مشهورون بالنجدة والبأس وعلو الصوت ومدارسة الحرب ، ومتى خرج واحد منهم فقتل هذا العلج لم يكبر ذاك ، وإن قتله العلج كان وصمة على العسكر قبيحة وثلمة لا تسد ، ونحن عامة لم يرتفع لأحد منا صوت إلا كما يصلح للعامة ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يخلينا نختار رجلاً فنخرجه إليه ، فإن ظفر علم أهل الحصن أن أمير المؤمنين ظفر بأعرفهم ، على يد رجل من العامة من أفناء الناس ، وإن قتل الرجل فإنما استشهد ، ولم يؤثر ذهابه في العسكر ولم يثلمه رجل ، وخرج إليه بعده مثله حتى يقضي الله ما شاء ، فقال الرشيد : قد استصوبت رأيكم هذا ، فاختاروا رجلاً يعرف بابن الجزري ، وكان معروفاً في الثغر بالبأس والنجدة ، فقال له الرشيد : أتخرج ؟ قال نعم وأستعين بالله تعالى ، فقال : أعطوه فرساً ورمحاً وسيفاً وترساً ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أنا بفرسي أوثق ، ورمحي بيدي أشد ، ولكني قد قبلت السيف والترس ، فلبس سلاحه واستدناه الرشيد فودعه وأتبعه الدعاء ، وخرج معه عشرون من المطوعة ، فلما انقض في الوادي قال لهم العلج - وهو يعدهم واحداً واحداً - إنما كان الشرط عشرين ، وقد زدتم رجلاً ولكن لا بأس ، فنادوه ليس يخرج إليك إلا رجل واحد ، فلما فصل منهم ابن الجزري تأمله الرومي ، وقد أشرف أكثر الناس من الحصن يتأملون صاحبهم والقرن ، فقال له الرومي : أتصدقني عما أستخبرك ؟ قال : نعم ، قال : أنت بالله ابن الجزري ؟ قال : اللهم نعم ، فكفر له ثم أخذا في شأنهما ، فتطاعنا حتى طال الأمر بينهما وكاد الفرسان يقومان ، وليس يخدش واحد منهما صاحبه ، ثم تحاجزا بشيء فزج كل واحد منهما رمحه ، وانتضى سيفه فتجالدا ملياً ، واشتد عليهما الحر وتبلد الفرسان ، وجعل ابن الجزري يضرب الضربة التي يرى أنه قد بلغ بها ، فيتقيها الرومي وكان ترسه من حديد ، ويضربه الرومي ضربة معذر ، فلما يئس كل واحد منهما من الوصول إلى صاحبه انهزم ابن الجزري ، فدخلت المسلمين كآبة لم يكتئبوا مثلها قط ، وعطعط المشركون اختيالاً وتطاولاً ، وإنما كانت هزيمته حيلة منه فاتبعه العلج ، وتمكن ابن الجزري منه

الصفحة 110