كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 22)

"""""" صفحة رقم 117 """"""
ودخلت سنة ثمان وتسعين ومائة .
ذكر أخبار الأمين والمأمون وما كان بينهما من الفتن والاختلاف وما أفضى إليه الأمر من قتل الأمين
كان ابتداء الخلف بينهما في سنة ثلاث وتسعين ومائة عند وفاة الرشيد . وكان سبب ذلك أن الرشيد كان قد أشهد عليه في سفرته التي مات فيها : أن جميع ما في عسكره من مال ومتاع ورقيق وكراع وغير ذلك للمأمون ، وأخذ له البيعة على جميع من في عسكره ، فعظم ذلك على الأمين ، ثم بلغه شدة مرض الرشيد ، فأرسل بكر بن المعتمر وكتب معه كتباً وجعلها في قوائم صناديق المطبخ ، وألبسها جلود البقر ، وقال : لا تظهرن أمير المؤمنين ولا غيره عليها ، فإذا مات فادفع الكتب إلى أربابها ، فقدم بكر إلى طوس فبلغ الرشيد قدومه ، فأحضره وسأله عن موجب قدومه ، قال : بعثني الأمين لآتيه بخبرك ، قال : فهل معك كتاب ؟ قال : لا ، فأمر بتفتيش ما معه فلم يصيبوا شيئاً ، فأمر به فضرب فما أقر ، ثم أمر الفضل بن الربيع بتقريره ، فإن أقر وإلا ضرب عنقه ، ثم مات الرشيد فأخرج بكر الكتب التي معه ، وهي كتاب إلى المأمون يأمره بترك الجزع ، وأخذ البيعة على الناس لأخيهما المؤتمن ، فلم يكن المأمون حاضراً وكان بمرو ، وكتاب إلى أخيه صالح يأمره بتسيير العسكر واستصحاب ما فيه ، وأن يتصرف هو ومن معه برأي الفضل بن الربيع ، وكتاب إلى الفضل بالحفظ والاحتياط على الحرم والأموال وغير ذلك ، وأقر كل من كان على عمل من الأعمال على عمله ، من صاحب شرط وحجابة وحرس ، فلما قرءوا الكتب تشاور القواد في اللحاق بالمأمون أو الأمين ، فقال الفضل بن الربيع : لا أدع ملكاً حاضراً لآخر ما أدري ما يكون من أمره ، ثم أمر الناس بالرحيل فرحلوا ، محبة منهم لأهليهم ووطنهم وتركوا العهود التي كانت أخذت عليهم للمأمون ، فلما بلغ المأمون ذلك جمع من كان عنده من القواد ، وفيهم ذو الرئاستين الفضل بن سهل ، وهو أعظمهم قدراً عنده وأخصهم به ، واستشارهم فأشاروا عليه أن يلحقهم جريدة في ألفي فارس ويردهم ، فخلى به ذو الرئاستين وقال : إن فعلت ما أشار به هؤلاء جعلوك هدية إلى أخيك

الصفحة 117