كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 22)
"""""" صفحة رقم 129 """"""
علي ويأخذني ، وخرج بعد العشاء الآخرة ليلة الأحد ، لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة ، إلى صحن الدار وعليه ثياب بيض وطيلسان أسود ، فدعا بابنيه فضمهما إليه وقبلهما وبكى ، وقال : استودعكما الله ، ثم جاء راكباً إلى الشط فإذا حراقة هرثمة فصعد إليها ، فذكر أحمد بن سلام صاحب المظالم قال : كنت مع هرثمة في الحراقة ، فلما دخلها الأمين قمت له ، وجثى هرثمة على ركبتيه واعتذر له من نقرس به ، ثم احتضنه هرثمة وضمه وجعله في حجره وجعل يقبل يديه ورجليه وعينيه ، وأمر هرثمة الحراقة أن تدفع ، فشد علينا أصحاب طاهر في الزوارق ونقبوا الحراقة ، ورموا بالآجر والنشاب فغرقت الحراقة ، وسقط هرثمة إلى الماء وسقطنا ، فتعلق الملاح بشعر هرثمة فأخرجه ، وأما الأمين فإنه شق ثيابه لما سقط في الماء ، قال أحمد بن سلام : وخرجت أنا إلى الشط فأخذني رجل من أصحاب طاهر ، فأتى بي إلى رجل آخر من أصحابه ، وأعلمه أني من الذين خرجوا من الحراقة ، فسألني : من أنا ؟ فقلت : أنا أحمد بن سلام صاحب المظالم مولي أمير المؤمنين ، قال : كذبت ، فاصدقني ، قلت : قد صدقتك ، قال ما فعل المخلوع ، قلت : رأيته قد شق ثيابه فركب ، وأخذني معه أعدو وفي عنقي حبل فعجزت عن العدو ، فأمر بضرب عنقي فاشتريت نفسي منه بعشرة آلاف درهم ، فتركني في بيت حتى يقبض المال ، وفي البيت بواري وحصر مدرجة ووسادتان ، فلما ذهب من الليل ساعة وإذا الباب قد فتح ، وأدخل الأمين وهو عريان وعليه سراويل وعمامة ، وعلى كتفه خرقة خلقة ، فلما رأيته استرجعت وبكيت في نفسي ، فسألني عن اسمي فعرفته ، فقال : ضمني إليك فإني أجد وحشة شديدة ، قال : فضممته وإذا قلبه يخفق ، فقال : يا أحمد - ما فعل أخي ، قلت : حي ، قال : قبح الله بريدهم كان يقول قد مات - شبه المعتذر من محاربته ، فقلت : بل قبح الله وزراءك ، فقال : ما تراهم يصنعون بي ؟ أيقتلونني أم يفون بأيمانهم ؟ فقلت : يفون لك ، وجعل يضم الخرقة على كتفه ، فنزعت مبطنة