كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 22)
"""""" صفحة رقم 153 """"""
ذكر ظفر المأمون بإبراهيم بن المهدي
في هذه السنة في شهر ربيع الآخر أخذ إبراهيم بن المهدي ، وهو متنقب في زي امرأة بين امرأتين ، أخذه حارس أسود ليلاً وقال له ولهن : أين تردن في هذا الوقت ؟ فأعطاه إبراهيم خاتم ياقوت كان في يده ، فاستراب منه الحارس ورفعهن إلى صاحب المسلحة ، فأمرهن أن يسفرن عن وجوههن ، فامتنع إبراهيم فجذبه فبدت لحيته ، فدفعه إلى صاحب الجسر فعرفه ، فذهب به إلى المأمون وأعلمه به ، فأمره بالاحتفاظ به إلى باكر النهار ، فلما كان الغد أقعد إبراهيم في دار المأمون . والمقنعة في عنقه والملحفة على صدره ليراه بنو هاشم والناس ويعلموا كيف أخذ ، ثم حوله إلى أحمد بن أبي خالد فحبسه عنده ، ثم شفع فيه الحسن بن سهل - وقيل ابنته بوران لما بنى بها المأمون . وقيل إن إبراهيم لما أخذ حمل إلى دار أبي إسحاق المعتصم ، وكان المعتصم عند المأمون فحمل رديفاً لفرج التركي ، فلما دخل على المأمون قال له : هيه يا إبراهيم ، فقال : يا أمير المؤمنين ولي الثأر محكم في القصاص ، والعفو أقرب للتقوى ، ومن تناوله الأغترار - بما مد له من أسباب الشقاء - أمكن عادية الدهر من نفسه ، وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب ، كما جعل كل ذي ذنب دونك فإن تعاقب فبحقك وإن تعف فبفضلك ، فقال : بل أعفو يا إبراهيم ، فكبر وسجد . وقيل بل كتب إبراهيم هذا الكلام إلى المأمون وهو مختف ، فوقع المأمون في رقعته : القدرة تذهب الحفيظة والندم توبة وبينهما عفو الله عز وجل ، وهو أكبر ما نسأله ، فامتدحه إبراهيم بن المهدي بقصيدته التي هي :
يا خير من رفلت يمانيه به . . . بعد النبي لآيس أو طامع
وأبر من عبد الإله على التقى . . . غيباً وأقوله بحق صادع
عسل الفوارع ما أطعت فإن تهج . . . فالصاب يمزج بالسمام الناقع
متيقظاً حذراً وما تخشى العدى . . . نبهان من وسنان ليل الهاجع
ملئت قلوب الناس منك مخافة . . . وتبيت تكلؤهم بقلب خاشع
بأبي وأمي فدية وبنبهما . . . من كل معضلة وريب واقع